محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

87

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إلى ذروته الايديولوجية الخطرة . لكي نكمل وصف السمات الأساسية للوظيفة النبوية ، فإنه من الضروري أن نتحدث عن الأمل الخلاصي المتعاطى أو المغذّى طيلة قرون عديدة عن طريق ظهور الأنبياء ، والمبشّرين ، والمهديّين ، والأولياء الصالحين ، والمنقذين . . . إلخ . إن المخلّص ليس إحدى شخصيات تاريخ النجاة الخاص بالتوراة والأناجيل ، وإنما هو أيضا ، ولعلّه أكثر ، قوة مشكّلة أو مؤسّسة لكل وعي ديني ، أو قومي ، أو عرقي - ثقافي . وهي قوة ميالة لاستملاك قيم العدالة ، والأمن ، والمعرفة ، والخلاص ( أو النجاة في الدار الآخرة ) . إن النزعة الخلاصية قوة مؤهّلة لتحويل كل تاريخ العالم عن طريق الأمل الجارف الذي لا يقمع . وهو أمل ينطوي على احتجاج جذري ضد النظام القائم الجائز ، وذلك باسم نظام آخر عادل سوف يجيء المخلّص لكي يقيمه على هذه الأرض ( في الإسلام يتخذ هذا المخلّص اسم المهدي أو الإمام ) . إن النزعة الخلاصية تربط بشكل لا ينفصم بين الايمان والعدل . ونقصد بذلك الإيمان بالجدة المطلقة للزمن المثالي الرائع الذي سيتحقّق فيه العدل . وزمن العدل هذا يرهص منذ الحياة الدنيا بزمن النجاة الأبدية في دار البقاء والخلود . إنّ المطالبة الملحة بالعدل تتغذّى من كل أنواع القمع ، والهيمنة ، وانسحاق الوضع البشري على الرغم من أنه كان موعودا بالحياة الأبدية والاتحاد باللّه ( أو الاتصال كما يقول متصوفة المسلمين ) . والرؤيا الخلاصية المنقولة بواسطة أديان الوحي أدخلت ( أو بلورت ) المفهوم الخطيّ المستقيم للتاريخ الأرضي المتواصل أو الممتد بعدئذ عن طريق تاريخ النجاة في الدار الآخرة . كما أنها حافظت حتى يومنا هذا على ذلك الأمل الذي لا يقهر والذي وصف وجهه السلبي بأفيون الشعوب . هذا في حين أن وجهه الإيجابي يضع الإنسان فوق السقوط المتدهور الذي يسبّبه العنف ، والجهل ، والاستلاب ، والظلم . في الإسلام ، كانت الحركات الخلاصية عديدة ، متكررة ، ذات أهمية متنوعة ، وذلك في مجتمعات مختلفة جدا عن بعضها البعض كإيران ، ومصر ، والسودان ، والسنغال ، والمغرب الكبير القروسطي . . . إلخ . ففي كل مكان من هذه المجتمعات كان المهدي ( مولى الساعة ) ، منتظرا بكل حماسة ولهفة وورع . وقد غذّى المهدي سلوكا دينيا وسياسيا في آن معا . وهو سلوك يجيّش حتى اليوم جماهير غفيرة ملتهبة وراء أئمة دينيين أو قادة بعيدين جدا عن البراءة الإيمانية أو التصديقية ل « المرسلين » أو « الملهمين » السابقين . ولكن هنا أيضا لا يمكننا أن نهمل ذلك الاستخدام الذي فعلته الماركسية بالأمل الخلاصي أو التبشيري . فقد راحت تتوقع بان البروليتاريا سوف تؤدي إلى القضاء على الدولة والرأسمالية المستغلة وكل البنى الفوقية التي تتخبط فيها حريات الانسان . وهكذا راح فكر مدعو بأنه حديث أو علمي ، ومحرّر يستخدم فكرة محورية مأخوذة من الدين لكي يستولي على السلطة السياسية ويحتكرها ضمن الظروف والنتائج التي نعرفها ( انظر التجربة الشيوعية ومحصلتها . . . ) . وهذا