محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

83

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

وفضاء تسقط عليه الهواجس والأحلام الدينية ، وكذلك صور الشخصيات الرمزية لتاريخ النجاة ، وهي صور متأمّلة ومعاشة بصفتها الغاية المثلى المرادة من قبل اللّه للتاريخ الأرضي . كلّ هذه العمليات ، وهذه الآليّات ، وهذه القوى لا علاقة لها باللاهوت الذي يصبح هو الآخر عبارة عن فعالية استدلالية مصيرها التسامي والتصعيد ، والتنكير ، ونزع الصبغة التاريخية عن الفترة الأولى والشخصيات الكبرى . ولهذا السبب أقول بأن أي تفكير بتشكيل لاهوت حديث ينبغي أن يمرّ أولا عن طريق الاستكشاف التاريخي ، الشمولي والنقدي لمجتمعات الكتاب المقدّس / الكتاب العادي . وهذا الانقلاب المنهجي ينطبق بالدرجة ذاتها على خطاب الميتافيزيقا الكلاسيكية . كما وينطبق اليوم على خطاب حقوق الإنسان الذي وصل إلى مرحلة التشدّق والمغالاة الايديولوجية المحضة ، الشيء الذي يؤدي إلى حذف الرهانات المحسوسة لحياة الناس العائشين في المجتمع . ولكن « المؤمنين » سوف يعترضون على كلامنا قائلين بأن طريقة النظر هذه سوف تسحب من اللاهوت أسبقيته وأولويته في الدفاع عن الأيمان وتجسيده وبنائه . لما ذا ؟ لأنها تجعل الحقيقة الدينية نسبية وتساوي بين المقدّس والدنيوي ، أو بين المتعالي والمثولي ، أو بين النجاة الأبدية في الدار الآخرة والنجاحات الظرفية العابرة . هذا هو الاعتراض الشائع الذي يحتجّون به عادة . ونلاحظ في هذا الاعتراض رزوح الفكر الثنوي ، الاستقطابي . الذي يؤسّس بالضبط الأنظمة اللاهوتية والميتافيزيقية التقليدية . إن الاستراتيجيات المعرفية التي تتطلّبها مجتمعات الكتاب المقدّس / الكتاب العادي تحضّ بالأحرى على فرز آليّات التقديس ، والتعالي ، والانطولوجيا ، واللاهوت ، والأسطورة أو الأدلجة ، والتألّه ، وإعلان القداسة ، ونزع الصبغة التاريخية . . . إلخ . إنها تحضّ ليس فقط على فرزها ، وإنما أيضا على وصفها ( أو دراستها ) وتفكيكها . والمقصود بها تلك الآليّات التي تخلع التقديس والتعالي والأدلجة . . إلخ على الأشياء ( أو على كل التركيبات البشرية التي تفقد عندئذ صفتها التاريخية ، والواقعية المحسوسة ) . وهذه الآليّات هي التي تغذّي ديناميكية الديالكتيك الاجتماعي ( أو لنقل حيوية الجدلية الاجتماعية ) . كان الإيمان التقليدي قد انغلق على نفسه داخل المطالبة بالجواهر الأبدية الخالدة التي لا تتغيّر ولا تتبدل . وهي جواهر قادرة على ضمّ المتغيرات أو المستجدّات عن طريق وصفها ب « الأرثوذكسية » ، أي المستقيمة الصالحة تمييزا لها عن « البدع الضالّة المنحرفة » . ولكن الإيمان الحديث يتخذ موقفا مغايرا لذلك . فهو يعترف بكل المتغيرات الحاصلة في التاريخ ويتحمل مسئوليتها . كما ويقبل بإعادة النظر حتى في الأصول الأولى من أجل انتهاكها وإعادتها إلى المشروطيات المشتركة للجدلية الاجتماعية « 1 » . وهذا ما ندعوه بأرخنة

--> ( 1 ) انظر مقالة فرانسواز سميث فلورنتان « انتهاك الأصول الأولى » في الغفران ( كتاب جماعي ) : F . Smith . 60 . p ، 1991 ، ed . Autrement ، Paris ، Pardon Le : in ، ( ( origines des transgression La ) ) ، Florentin