محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
84
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الأصول الأولى للأديان التوحيدية ، أي الكشف عن تاريخيتها المحجوبة أو المغطاة بستار كثيف من التقديس والتعالي . لنضرب كمثال على ذلك الوظيفة النبوية كما تجلّت أو تجسّدت في التجارب التوحيدية الثلاث من يهودية ، ومسيحية ، وإسلامية . لقد حصل للنبي محمد ما حصل للوحي القرآني . فقد أستبعد من دائرة النبوّة ، كما استبعد القرآن من دائرة الوحي . فحصروا الوحي بالتوراة والأناجيل . كما أن الفكر اليهودي والمسيحي حصر مكانة النبوّة بأنبياء العهد القديم ( بني إسرائيل ) . إن هذا الحذف أو الاستبعاد غير ممكن إلّا ضمن منطق الثالث المرفوع ومبدأ الهوية اللذين يسمحان بتشكّل الفكر الثنائي القطبين ، والجوهراني ، والماهيّاتي ، والمقولاتي التصنيفي . ولكنه يصبح تعسفيا عندما نعيد إلى الجدلية الاجتماعية وإلى تاريخية كل المنتوجات البشرية جميع الجواهر الجامدة . إذا ما استخدمنا منظور التحليل التاريخي ، والثقافي ، والانتربولوجي ، فإن الوظيفة النبوية ينبغي أن تفسّر من خلال مفهوم « إنتاج الرجال العظام » كما يقول موريس غودلييه في أحد كتبه ، أي كيف يتولّد الرجال العظام ، وكيف يظهرون في التاريخ . والأنبياء من الرجال العظام بالطبع لأنهم يقودون البشر ويحرّكون التاريخ « * » . ينبغي أن ندرس كيفية انبثاق الأبطال الحضاريين داخل الفئات الاجتماعية ( المقصود بهم : الأبطال الذين يؤسّسون الحضارات أو يحضّرون البشر ) . ولكن النبي يتميّز عن هؤلاء الأبطال من خلال الأدوات التي يستخدمها ، والنوابض النفسية التي يحركها ، وأقصد بذلك أنه يعتمد على الظاهرة المعقدة المدعوة ب « الوحي » ، ويثير في الجماعة الأمل التبشيري أو الخلاصي . ولكن إذا ما علّقنا التحديدات اللاهوتية المفروضة بخصوص هذه المفاهيم ، فإننا نستطيع بسهولة أن ندمج الوظيفة النبوية في الآليّات التاريخية - النفسانية - الاجتماعية - المنطقية التي تؤدي إلى ظهور « الرجال العظام » ، ونحن إذ نقول هذا الكلام لا نتجاهل ولا نهمل السمات والوظائف الخاصة بظاهرة الوحي والأمل الخلاصي . وهي ظاهرة سائدة في مجتمعات الكتاب المقدّس / الكتاب العادي . ولكننا إذ نتحدث عن « الرجال العظام » أو « الأبطال الصانعين للحضارات » ، فإننا نحذف الشحنة التقديسية للفترة الكاريزمية ( البطولية ) التي تجعلنا نرى ونستبطن « يد » اللّه ، أو تأثير الروح المطلقة في كل لحظة من لحظات الوجود الفردي والجماعي وعلى كافة الأصعدة والمستويات . ينبغي أن نعلم أن النبي يتميّز بمكانة نفسانية ومعرفية مختلفة عن مكانة كل الأبطال الآخرين أو كل الشخصيات الاستثنائية الأخرى التي تظهر في التاريخ . فالنبي شخص ملهم ، راء أو رؤيوي ، حكيم ، صاحب خيال وثّاب ، قائد ، روح جبّارة قادرة على سبر أغوار
--> * انظر : 1996 ، Fayard ، Paris ، hommes grands des production La : . M . Godelier