محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

82

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

بها الأمر إلى الهيمنة على كل الفضاء الاجتماعي . وهذه القوى هي : الدولة ، والثقافة العالمة أو الفصحى ، وطبقة المتعلمين أو رجال الدين ، والأرثوذكسية الدينية . إنّ اللعبة المتداخلة لهذه القوى الأربع هي التي تجعل الكتاب بالمعنى المقدّس للكلمة ، أي الكتاب بالمعنى القصصي وكما ساد الحياة الدينية لمنطقة الشرق الأوسط القديم « 1 » ، ينتقل إلى مرحلة المدوّنة الرسمية المغلقة الموحى بها والتي ستصبح ، في الواقع ، عبارة عن كتاب كأي كتاب آخر . أقصد أنه يتحوّل إلى شيء مادي منتج عن طريق تقنيات حضارة ما ( كالكتابة ، والحروف الأبجدية ، والورق ، والتجليد . . . إلخ ) . ولكنه على الرغم من ذلك يبقى على مستوى القداسة المثبّتة والمحميّة من قبل سلطة ذات جوهر سياسي ( كالكنيسة الرسمية أو الدولة الخليفية ) . إنّ هذا التحويل الذي يطرأ والذي يجعل من الكتاب المقدس كتابا عاديا ، كان قد حصل في سياق ثقافي وسياسي واجتماعي يحاول المؤرّخ أن يكتشفه أو يتعرّف عليه بشكل صحيح ( أو كما حصل بالفعل قبل قرون طويلة ) . وفي موازاة ذلك نلاحظ أن اللاهوتيين في جميع الطوائف كانوا قد تفنّنوا في رفع المدونة الرسمية المغلقة إلى مرتبة الكتاب المقدّس . وهذا الأخير يشكّل الأثر الذي لا يعوّض ، والمرجعية الإجبارية لكل خطاب حريص على أن ينغرس في كلام اللّه . وهكذا نجد أن إرادة إعلاء الكتاب العادي والتسامي به إلى مرتبة الكتاب المقدّس تبلغ ذروتها القصوى في عملية التنكير والتقنيع عندما تؤكّد بأننا نستطيع أن ننتقل من الأناجيل لكي نصل مباشرة إلى الوحي المتجسّد في المسيح ، أو أن المصحف ، أي المجلّد الذي يحتوي على كافة النصوص القرآنية ، هو من نوع الطابع اللامخلوق للقرآن بصفته كلام اللّه . إن عمليات تنكير الواقع المحسوس هذه تتمّ لكي تقدّم للمخيال النماذج المثالية العليا الأبدية والمتعالية . وهذه العمليات تجري في المجتمعات التي ينشط فيها الفاعلون الاجتماعيون ، وبالتالي فإننا نهدف من وراء استخدام مصطلح الكتاب المقدّس / الكتاب العادي إلى استكشاف الجوانب اللغوية ، والاجتماعية ، والسياسية ، والثقافية لتلك الظاهرة الشمولية المتمثّلة في الكتاب المقدّس الذي جرى التسامي به أو تصعيده بكثافة شديدة . إنّ الأمر يتعلق بأرخنة كل ما كانت قد نزعت عنه صبغته التاريخية بشكل متواصل ومنتظم على مدار التاريخ ، أي حتى القرن التاسع عشر . وذلك على الرغم من كل ذلك العمل الجبّار الذي قام به التاريخ النقدي للنصوص المقدّسة ، أو التاريخ الشكلاني الفيلولوجي ، أو تاريخ السيرة الذاتية للشخصيات الكبرى . وهكذا ندرس الكتاب المقدس بصفته قوة لاستنهاض الطاقات العقلية ،

--> ( 1 ) في ما يخص هذا المفهوم المهمّ - مفهوم الكتاب السماوي - الذي كان موجودا في الثقافة الدينية لمنطقة الشرق الأوسط قبل ظهور الإسلام بوقت طويل ، انظر المرجع التالي : محمد رسول اللّه والكتاب السماوي ، للباحث جيو فيدينغرين : the and God of Apostle the Muhammad : Widengreen Geo . 1954 ، Upsala ، Book Heavenly