محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

81

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الوسطى . وإنما هدفي يكمن في ما يلي : البرهنة على أن المفهوم اللاهوتي للكتاب المنزّل أو للكتابات المقدسة لا يمكن فصله عن المفهوم الثقافي والتاريخي والانتربولوجي للكتاب بالمعنى العادي للكلمة : أقصد الكتاب بصفته شيئا ماديا ملموسا تستولي عليه السلطة المتجسدة إما في الدولة ، وإما في المتعلّمين من رجال الدين الذين يخدمونها ( في الواقع ، إنها تتجسد فيهما كليهما ما إن تتخذ الدولة شكلا متماسكا كما هي عليه الحال منذ السلالة الأموية في دمشق عام 661 م ) . ونلاحظ ، في المسيحية ، كما في الإسلام ، أن التوسّع الثقافي للكتاب يعني ترقية الكتابة والقراءة أو الرفع من شأنهما بصفتهما وسيلتين لا بد منهما من أجل التوصل إلى المعرفة والسلطة بشكل لا ينفصم . وكل ذلك يتمّ على حساب مصلحة الثقافة الشفهية ، حيث التوصل إلى المعرفة مفتوح أمام الجميع بمن فيهم العبيد . وعن طريق الكتاب نلاحظ أن طبقة المتعلّمين الذين يعرفون القراءة والكتابة تتوسّع وتصبح قوية جدا لأن الكهنة ، كما الحاخامات والأئمة ، يشرفون على سلطة التقديس ويتحكّمون بها عن طريق الاعتماد على الكتاب المقدّس من أجل توليد الكتب العادية . وهي كتب تحتوي على جميع القوانين المنظّمة للمجتمع . ولا أقصد بها فقط القانون التشريعي أو القضائي ، وإنما أيضا القوانين المعنوية ، والسيميائية ، والتأريخية ، والبلاغية ، والنحوية . . . إلخ . إنّ هذا التمفصل الوظيفي للكتب العادية على الكتاب المقدس واضح جدا في ما يخصّ كيفية تشكّل الأناجيل . فكتبة الأناجيل اختاروا أن يسردوا في اللغة اليونانية تلك الرسالة التي بلّغها يسوع الناصري في الآرامية . لما ذا فعلوا ذلك ؟ لأنّ اللغة اليونانية كانت أكثر أهمية من الناحية الثقافية وأوسع انتشارا ، ولأن الآرامية كانت عبارة عن مجرد لهجة متواضعة للغة سامية لا يقارن رأسمالها الكتبي برأسمال اليونانية آنذاك . ألا يوجد هنا برهان بالغ الدلالة على مدى ردّ الفعل الذي قام به الكتاب العادي وتأثيره في خط الرجعة على الكتاب المقدّس ؟ فقد تخلّى اللاهوتيون المسيحيون بسرعة شديدة وبشكل كامل عن الصيغة الأولية للرسالة المبلّغة في الآرامية من أجل نشر المسيحية بشكل أقوى وأوسع . أرجو ألا يفهمنّ أحد من كلامي هذا أني أريد تمرير محاجّة تبجيلية خلسة . وأقصد بها المحاجّة القائلة بتفوق القرآن على الأناجيل لأن القرآن ظلّ حتى يومنا هذا منقولا بلغته الأصلية ولم يغيرها قط . فما إلى هذا هدفت . ينبغي أن نبقى داخل الساحة الانتربولوجية لذلك الصراع الدائر بين طرفين اثنين : الطرف الأول هو « العقل الشفهي » المرتكز على ثقافات غير مكتوبة للفئات الفلاحية أو الجبلية أو البدوية المتبعثرة سياسيا ؛ والطرف الثاني يتمثّل في « العقل الكتابي » بحسب التعريف الذي قدمه عن هذا المصطلح عالم الانتربولوجيا الانكليزي جاك غودي Goody . Jack فالعقل الكتابي يستخدم مقولاته وتحديداته ونظامه بفضل التضامن الوظائفي الشغّال الكائن بين القوى الأربع التي ينتهي