محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

80

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الفقراء ، واليتامى ، والأرامل ، والمساكين ، والضعفاء ، والمحرومين . إنه يكفل الأخوّة الكاملة واللامشروطة بين مختلف فئات المؤمنين - المجاهدين . كما ويفرض العدالة المطلقة في ما يخصّ حاكم الأمة ، وذلك من أجل حماية حقوق الجميع عن طريق فرض احترام حقوق اللّه . كما ويأمر أيضا بالجهاد المستمر ضد كل أشكال القمع والكذب والضلال ( ومن الأمثلة عليها : فرعون ، الطاغوت ، المدن الضالّة ) . وكل هذه الأشياء عبارة عن موضوعات منظّمة أو مشكّلة للوعي الأسطوري . كما أنها مجدّدة أو باعثة للأمل الجماعي بفضل التدخل الدوري ل « مولى الساعة » ، من أنبياء ، وأئمة ، ومهديين ، ومصلحين ، وزعماء تاريخيين ، وقاعدة سياسيين ، و « فوهرر » ، وزعيم . . . إلخ . مجتمعات الكتاب المقدّس ( أو المنزّل ) / الكتاب العادي في ما يخصّ الوحي ، هناك أدبيات غزيرة ومربكة فعلا لأنها تكرر عقائد أرثوذكسية قديمة تعود إلى القرون الوسطى ، وبخاصة في ما يتعلّق بالإسلام واليهودية . ولذا رحت أحلّ مفهوم « مجتمعات الكتاب المقدّس / الكتاب العادي » محل مصطلح « أهل الكتاب » . وهذا المصطلح الأخير كان القرآن هو الذي أدخله لكي يموضع الدين الجديد ( أي الإسلام ) داخل المنظور الروحي لتاريخ النجاة . . . لقد فعلت ذلك لكي أبرهن على إمكانية الخروج من أسر السياج الدوغمائي المغلق وذلك عن طريق إجراء زحزحات منهجية وابستمولوجية على الفكر الديني التوحيدي أو داخله . ولكن الكثيرين لم يروا في هذا المصطلح الجديد الذي اخترعته إلّا تقليدا للمصطلح القرآني « أهل الكتاب » . وهكذا أهملوا كل الجهد النقدي الذي بذلته عن طريق القول بأني أريد الدفاع عن الإسلام أو تقديم محاجّة جديدة لصالحه . فهذا المصطلح الجديد ليس إلّا حيلة اخترعها مفكّر مسلم للدفاع عن دينه ! وهكذا تمت المحافظة على الوضع القائم كما هو . ولم يعد أحد بحاجة لأن يتعب نفسه ويبحث عن معنى هذا المصطلح وكيف أنه يهمّ الفكر اليهودي والمسيحي المعاصر . ولكن المسيحيين الذين يحرصون رغم كل شيء على الدخول في حوار مع المسلمين يرفضون فورا مصطلح « مجتمعات الكتاب المقدّس / الكتاب العادي » عن طريق استخدام المقولة العقائدية وفحواها أن المسيحية ( وبخاصة المذهب الكاثوليكي ) ليست أبدا دين كتاب كالإسلام ، وإنما هي دين يسوع المسيح . والمقصود بذلك ان كلمة اللّه تجسّدت في يسوع ابن الإنسان وابن اللّه في آن معا . ولكن ليطمئن المسيحيون . فأنا لا أقصد أبدا النيل من هذه العقيدة ، كما لا أقصد رفع القرآن إلى المستوى اللاهوتي نفسه . أقول ذلك ، ونحن نعلم أن هذه الاحتمالية كانت قد أرعبت المسيحيين منذ القرون