محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
79
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
معاشة اتخذت توسّعا معنويا ، وبلاغيا ، وسيميائيا راحت تنفتح بالفعل على مطلق معاش من قبل كل مؤمن كمقابل داخلي مشكّل لوعي ديني . إن السيرورة التاريخية لانبثاق هذا الوعي وترسّخه ونشره لم تطرح حتى الآن كموضوع للدراسة . فالباحثون الغربيون يصابون بالدهشة أمام الاتساع الهائل للفتوحات وسرعة تحقيقها على أيدي جماعة هشّة جدا من المسلمين . كما ويتساءلون باستغراب عن سبب قدرة المسيحيين الأوائل على مقاومة كل هذا الاضطهاد الذي تعرّضوا له . ولا يتجرأ الباحث الوضعي الغربي على التحدّث عن دور العامل الروحي في كل ذلك . لما ذا ؟ لأنه لا يمكن أن نقيس الظواهر الروحية بالمسطرة ! لا نستطيع أن نقيسها كما نقيس عدد المحاربين أو فعالية التكنولوجيات والأسلحة الحربية . وهم حتى اليوم لا يزالون يمارسون نفس الشيء أو يتخذون نفس الموقف غير المتفهم . فهم يقومون بجرد خطابات الحركات الأصولية المعاصرة وانفجاراتها العنيفة ، ولكنهم يهملون دائما مسألة البواعث الخفيّة أو الضمنية التي تؤدي إلى هذه الانفجارات . كما ويهملون دور الطابع المعنوي الجماعي الذي يثير مثل هذه الظواهر أو يدعمها . بمعنى آخر ، إنهم ، أي الباحثون الغربيون ، لا يعتقدون أنه من الضروري أن يكرسوا جهدا أكبر لبلورة نظرية تفسيرية للظاهرة الدينية الكلّية . كل شيء يحصل كما لو أن تاريخ البشر لا يمكن أن يتولّد إلّا عن مخطط ذي نمط مانوي أو ثنوي . أقول ذلك وأنا أفكّر بالوظيفة المنقذة للبروليتاريا الصناعية المضادة بشكل دوغمائي للعمل الفاسد والقمعي للبورجوازية الرأسمالية ( أو قل هذه ما فعلته الماركسية عندما خلعت صفة البراءة كلها على البروليتاريا ، والصفة الشيطانية أو القمعية على البورجوازية ) . فهذه المعركة ليست إلّا حلقة « حدثية » ، وبالطبع إلحادية ، من حلقات الصراع الذي جرى على مدار التاريخ . إنها تشكّل إحدى صيغ النموذج العاملي الأعلى للخطاب النبوي الذي لا يشكّل القرآن إلّا أحد تجلّياته المحقّقة في اللغة العربية داخل سياق ثقافي محروث سابقا ولفترة طويلة من قبل التبشير الديني المشترك لدى أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) . ولعلّ هذا ما يفسّر لنا سبب التناغم الحالي بين الإسلام والاشتراكية في الخطاب المدعو بالثوري ! كنا قد رأينا سابقا كيف أن القرآن يدخل جميع عناصر وموضوعات الايديولوجيا « الثورية » ، ونقصد بذلك : العدالة التوزيعية من أجل الحفاظ على حقوق
--> - أثناء هذا الوقت الضائع نلاحظ أن الإنتاج المخيالي للمجتمعات البشرية والتأسيس الاجتماعي للروح والفكر يستمران في الهيمنة سوسيولوجيا وسياسيا ، وذلك على قاعدة الأنظمة المعرفية الموروثة عن الماضي . بمعنى آخر ، إن التجليات التقليدية للأديان سوف تظل لوقت طويل وسائل جبارة للتعبية الاجتماعية . وسوف تستمر التصوّرات التقليدية الموروثة عن الأنظمة اللاهوتية في تحريك ملايين البشر .