محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

78

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الاستعمار ، و « الحروب العادلة » التي جرت في منطقة الخليج ، وحرب يوغسلافيا ، وحرب الشيشان ، وحرب الجزائر ، وحرب العراق - إيران . . إلخ . كلها حروب تقدّم أمثلة عملية على ما نقوله . أقصد أنها تجسّد في السياقات الحديثة أمثلة عملية على تلك الجدلية التي اتخذت في سورة التوبة شكل النموذج المثالي الأعلى ( باراديغم ) . ونقصد بها : الجدلية الكائنة بين الثوابت الانتربولوجية الثلاثة : عنف ، تقديس ، حقيقة . أنّ القوة المتواترة لما يمكن أن ندعوه الآن بالنموذج الوجودي القرآني الأعلى تكمن من جهة في الطابع المثالي النموذجي ، من الناحيتين البنيوية والايديولوجية ، للحالة الصراعية التي جرت بين النبي وخصومة ، والتي تمّت السيطرة عليها في نهاية المطاف في كل من مكّة والمدينة . هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فإنها تكمن أيضا في قوة الإيحاء ، والتصوّر ، والتصعيد أو التسامي ، والتحوير ، والثورة أو التمرد والانتفاضة . وهي قوة تتمتع بها تمفصلات المعنى أو تراكيبه الخاصة بالخطاب النبوي دون غيره « 1 » . فأبعاد حالة عادية

--> ( 1 ) أود أن أذكّر هنا بأن مفهوم « الخطاب النبوي » كان قد بلور أو نحت انطلاقا من التحليل الألسني والسيميائي الصرف للخطاب الديني المتجلّي في التوراة ، والإنجيل ، والقرآن . وبالتالي فهو ينطبق على هذه المجموعات النصّية الثلاث . وهذا يعني أن الكتب الثلاثة تتميز بخصائص لغوية وسيميائية - دلالية مشتركة ومتشابهة . وهي خصائص تميّز الخطاب الديني عن غيره من الخطابات على الصعيد اللغوي المحض ( كالخطاب الفلسفي مثلا ، أو الخطاب المنطقي الذي يستخدم اللغة بطريقة مختلفة عن طريقة الخطاب الديني . وهذا ما اكتشفه العلماء بعد التحليل الدقيق لخطاب التوراة ، والإنجيل ، والقرآن . ولهذا السبب يحق لنا أن نتحدث عن شيء اسمه الخطاب النبوي أو خطاب النبوّة أو خطاب الأنبياء prophetique discours . le وهذا التمييز يتيح لنا أن نتجاوز معرفيا الآراء اللاهوتية الشائعة عن مفهوم الوحي ، ولكنه لا يتيح لنا أن نتجاوزها وجوديا أو حياتيا لأنها مغروسة في أذهان الملايين من المؤمنين منذ قرون عديدة . وهذه الآراء اللاهوتية الشائعة عن الوحي كانت قد بلورت من قبل المفسّرين في الطوائف الدينية . الثلاث : أي الطائفة اليهودية ، فالطائفة المسيحية ، فالطائفة الإسلامية مع ذاكراتها الثقافية الجماعية المتمايزة عن بعضها البعض . فعلى الرغم من أنها جميعا تنتمي إلى دين التوحيد ، إلا أنها طوّرت ذاكرات جماعية ، أي تراثات دينية - ثقافية - لغوية ، مختلفة كثيرا ، بل ومتنافسة ومتصارعة تاريخيا . وهذا التمييز الذي نقيمه بين إمكانية تجاوز النظرية التقليدية عن الوحي معرفيا ، وبين الاستمرارية الوجودية لهذه التحديدات اللاهوتية يعني أن المكتسب المعرفي لهذه الزحزحة التي أحدثناها لا يمكنه أن ينعكس بتأثيره على تجليات الإيمان إلّا إذا وضعت الاستراتيجية المعرفية وأدواتها الفكرية تحت تصرف العدد الأكبر من البشر وذلك بواسطة منهجية تربوية ( أو بيداغوجية ) ملائمة . نقول ذلك ونحن نعلم أن المناهج التعليمية لا تهتم بالتنظيرات المعرفية الجديدة إلّا بشكل سطحي ومتأخر وبعد مرور وقت طويل على اكتشافها . فالتنظيرات أو الكشوفات المعرفية التي تتوصل إليها العلوم الإنسانية ليس من السهل فهمها واستيعابها ثم إدراجها في البرامج التعليمية لكي يطلع عليها الطلاب منذ المرحلة الثانوية وحتى الجامعية . ومعلوم أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتغيير عقول الناس وتفكيك الآراء اللاهوتية القديمة والراسخة في الذهن أبا عن جد منذ مئات السنين . وفي .