محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

67

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

ينتظرون الفرصة السانحة أو المؤاتية لكي يعودوا إلى الذات السابقة ، ذاتهم الأولى . ونقصد بها التضامنات العشائرية والقبلية ضمن إطار الشرك أو تعددية الآلهة ، أي قبل فرض التوبة المعاشة وكأنها استسلام للجماعة المنتصرة أكثر مما هو تحوّل مخلص وصادق إلى دين النجاة ( وهنا يشير القرآن إلى الفرق بين أسلم وآمن ، وذلك في الآية الرابعة عشرة من سورة الحجرات : « قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الايمان في قلوبكم . . » ) . هكذا نستطيع الآن أن نلمح القيمة المزدوجة للتوبة . ففي السيرورة الاجتماعية - التاريخية التي تحيل إليها في الأصل ، نلاحظ أنها تتمثّل أساسا في الاستسلام من دون شروط ، أقصد : استسلام المعارضين . أو قل إنها تعني في أحسن الظروف عقد « سلام الشجعان » الذي يتيح لمعارضي الأمس أن يصبحوا مناضلين متحمسين من أجل الانتصار المطلق للذات الكبرى والمثالية . وعلامات الاستسلام تتجلى أولا في ممارسة الشخص للصلاة والزكاة الشرعية ( أي الصدقة ) . وهما عملان يقدمهما القرآن على أساس أنهما محض دينيين . ولكن لا يغيب عن أنظارنا أن لهما وظيفة حاسمة من حيث الدمج الاجتماعي والسياسي للفرد . فعند ما يصلّي المرء علينا وراء النبي أو مع مجموعة من المسلمين ، أو عندما يدفع ضريبة تغير اسمها لكي تصبح صدقة أو زكاة بدلا من مغرم ، فإن عمله هذا يكتسب أهمية دينية في الوقت الذي يؤدي فيه الوظيفة الاجتماعية - السياسية نفسها . إن ذلك يعني كسر العصبيات أو التضامنات التقليدية ، والتخلّي عن الآباء ، والزوجات ، والأطفال ، من أجل الانضمام إلى الجماعة الجديدة . وهذا ما يفسّر لنا سبب رفض البدو أن ينخرطوا في الجهاد الذي قدّم لهم على أساس أنه نضال في سبيل اللّه . ولكنه كان في الواقع يمارس دوره طبقا للمجريات المعتادة للصراع الذي قد يندلع بين الفئات الاجتماعية من كل الأحجام والأشكال . فمجريات الجهاد أو أساليبه كانت هي نفسها مجريات وأساليب هذه الصراعات أو الحروب السابقة على الإسلام . فقد استخدم ، مثلها ، أسلوب الحصار ، ونصب الكمائن ، والقتل ، والأسر ، وأخذ الغنيمة . وكانت له نفس غاياتها ، أي التوصل إلى السلطة ، ثم التوسّع وترسيخ الدولة . ونقصد بالفئات الاجتماعية من كل الأحجام والأشكال : العشائر والقبائل العربية ، وذلك بانتظار أن توسّع الفتوحات تلك الظاهرة لكي تشمل ، مع الرهانات عينها ، شعوبا عديدة . إنّ العامل - الذات - المرسل - المرسل إليه الأعظم هو الذي يحدّد الأدوار والمكانات ، وهو الذي يقرّر ما إذا كان ينبغي دمج أو رفض الأفراد والمجموعات المختلفة في الفئة الظافرة الجديدة . وهو يقرّر ذلك انطلاقا من تحديد مثالي للتوبة ، حيث نرى وجهيها الديني والدنيوي كليهما « * » .

--> * بمعنى أن التوبة تعني الخضوع للسلطة الجديدة سياسيا ، والخضوع للّه دينيا . وبالتالي فهو خضوع مزدوج :