محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

68

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إليكم الآن وجه المؤمنين أو صورتهم كما يحدّدها الخطاب القرآني : « والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون اللّه ورسوله أولئك سيرحمهم اللّه أنّ اللّه عزيز حكيم . وعد اللّه المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبة في جنات عدن ورضوان من اللّه أكبر ذلك هو الفوز العظيم » ( سورة التوبة ، الآيتان : 71 - 72 ) . إنّ المؤمنين والمؤمنات هم - أو كانون في البداية - كناية عن فئة اجتماعية محدّدة أولا من قبل العصبية التضامنية التي يدينون بها لبعضهم البعض . وكانوا يشتركون في نفس الخضوع أو الولاء للسلطة ، أي للنبي . وهذه السلطة كانت قد خلعت عليها المشروعية من قبل سيادة عليا هي : اللّه . وكانوا يمتلكون معرفة واضحة عن الخير والشرّ لأنهم يستطيعون أن يأمروا بالأول وينهوا عن الثاني . وكانوا مرتبطين باللّه عن طريق عهد أو ميثاق . ما ذا يقول هذا العهد ؟ إنه يقضي بأن يقدّموا الطاعة للّه ورسوله مقابل حصولهم على النجاة بأرواحهم في الدار الآخرة . ويمهّد لهذه النجاة بنصرهم على هذه الأرض ( بمعنى أن اللّه يمهّد لنجاتهم في الآخرة بنجاة عاجلة في الدنيا . فهو الذي ينجّيهم وينصرهم على أعدائهم ) . إنّ الوجه الديني للتوبة عبارة عن مجموعة الصور والتصوّرات التي تشكّل أو تنظّم مخيالا كونيا أو عالميا . فهناك أنهار تجري ، ومنازل رائعة وسط حدائق أو جنّات يستحيل علينا أن نحدد موقعها أو أن نموضعها في زماننا ومكاننا المحسوسين . ورضى اللّه الذي يوعدون به أيضا لا يتجسّد عمليا إلّا ضمن مقياس أنه يحظى بوساطة رضى النبي والجماعة بأسرها . وهكذا نلتقي بالوجه الدنيوي والعملي للتوبة . ونقصد به إطاعة سلطة راسخة ، أو إطاعة أحكام أخلاقية وقانونية وثقافية مقبولة من قبل أعضاء الجماعة إلى حد كبير ، لا سيما وأنهم هم منتجوها الفعليون وناشروها . والتوبة المحدّدة على هذا النحو كانت تمثّل على مدار التاريخ الإسلامي العملية الحاسمة والممر الاجباري لكي يعيدوا دمج مسلم منحرف داخل الجماعة ( أقصد داخل طائفة المسلمين ) . وهذا ما حصل للمفكر الحنبلي ابن عقيل الذي أخضع للاختبار الشعائري للتوبة العلنية ، وذلك لكي يتراجع عن المواقف المنحرفة التي اتّهم بها « * » .

--> - ديني ودنيوي . إنه خضوع كامل ، مطلق ، يشمل الدنيا والآخرة . يقول النص : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ سورة التوبة ، الآيات 102 - 104 ] . * هذا يعني أن التوبة القرآنية تحولت إلى نموذج أعلى paradigme يتجاوز الأزمنة ويخترق العصور . والدليل على ذلك أنه كلما أخطأ مسلم أو انحرف عن قصد أو غير قصد فإنه لا ينجو بجلده إلّا عن طريق تقديم توبة علنية على رؤوس الأشهاد . وهذا بالضبط ما حصل للمفكّر الحنبلي ابن -