محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
66
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
والمسجد الحرام ، وأولو الطّول ، والأعراب ، إلخ . . . ) وكذلك الأمر في ما يخص المنافسات المحاكاتية ( أو المزايدات ) المندفعة بين الفئات المتنافسة على الرهانات الرمزية للسلطة ، فقد عبّر عنها بوضوح من خلال التضاد الكائن بين المسجد الضارّ والكافر ( مسجد ضرار ) ، والمسجد المقدس ( المسجد الحرام ) . كما وعبّر عنها من خلال التعارض الكائن بين التقويم الوثني المتلاعب به ( نسيء ) ، / وبين التقويم المؤسّس من قبل اللّه ( يوم خلق السماوات والأرض ) . وكذلك عبّر عنها من خلال التضاد الكائن بين الزكاة التي يقدّمها الإنسان للتقرّب من اللّه ( أي صدقة ، أو قربات ) ، / وبين الضربية المذلّة ( مغرم ، جزية ) ، وكذلك بين العهد المتقيّد به على غرار الميثاق ، / والعهد المنكوث به لأسباب مادّية أو لغايات منفعية . إن هذه المتضادات تدخل في الجدلية الأكثر عمومية والهادفة إلى تشكيل الذات بالمعنى القوي للكلمة ( ويقابل ذلك أو يعادله ذلك التضامن العاملي بين أنا - أنت - أنتم ) . كما وتؤدي إلى تشكيل الآخر بالمعنى القوي أو المطلق للكلمة ( أي : هم ) . وهذه الجدلية هي في البداية اجتماعية - سياسية ، ولكنها سرعان ما تتحوّل إلى تركيبة سيميائية ومعنوية ذات قدرة كبيرة على التصعيد والتسامي والتقديس والتجذير الانطولوجي . أقصد تسامي الواقع المعاش العادي لمختلف الفرقاء المتصارعين المقصودين في الخطاب وإضفاء القدسية والانطولوجيا عليهم . وهكذا يحصل الانتقال المستمر من السيرورة الاجتماعية - التاريخية المعاشة إلى العبارات النموذجية والمثالية المتعالية ذات الأهمية التحريكية للوجود ( أعني تلك التي تحدّد للوجود البشري أهدافا مثالية لكي يتمّ التوصل إليها ) . إن هذا الانتقال هو الذي سيؤمّن للخطاب القرآني قدرة لا تنفد على التكرّر في حالات اجتماعية - تاريخية مشابهة لتلك التي كانت في أصل بلورته الأولى ( أو سبب بلورته لأول مرة ) . وهنا بالضبط تكمن القوة الكشفية أو الكاشفة للخطاب النبوي . فهذه الوظيفة الكشفية التي يمكن القبض عليها أو تلمّسها في الآليّات اللغوية للخطاب استخدمت فيما بعد كقاعدة محسوسة للبلورة اللاهوتية لمفهوم الوحي . وكانت الأدبيات التي كتبت عن الإعجاز ، أي عن المكانة اللغوية التي لا تضاهى للخطاب القرآني ، قد شعرت حدسيا بهذه الوظيفة الكاشفة ، ولكنها جعلت منها موضوعا تبجيليا أكثر مما اتخذتها كمادة للتفحّص اللغوي الدقيق والمنتظم . بعد أن وصلنا في التحليل إلى هذا المستوى ، فإنه يتعيّن علينا أن ندقّق بشكل أكثر ( أو نعدّل قليلا ) من المخطط البياني الموضّح سابقا . فالذات الكبرى التي كانت في طور الانبثاق والتشكّل والتي كانت حريصة ، لأول وهلة ، على أن تضمن أمانها الاجتماعي والسياسي ، كانت لا تزال تضم بين أعضائها أشخاصا غير موثوقين . وهم الذين دعاهم القرآن ب المنافقين والفاسقين . واتهمهم بأنهم يزرعون الفتنة ، ويشعرون سرا بالفرح عندما يتعرّض البطل المحوّل أو المغيّر ( أي الرسول ) إلى بعض النكسات أو الهزائم . وهم الذين