محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

64

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

- الذات الأول فيمكنه ، كما هي الحال هنا ، أن يتوجه مباشرة إلى المرسل إليه الجماعي الذي يشتمل بالضرورة على المرسل إليه الأول . وهو يتوجّه إليه بأوامر قاطعة من نوع ( اقتلوا ، خذوهم ، احصروهم ، اقعدوا لهم كل مرصد ! . . . ) . وهكذا يتم التأكيد على الوحدة العاملية ، أي : ( العامل - الذات الأول الأعظم ) - ( العامل - الذات الثاني ) - ( العامل - الذات الثالث ) ، أو : حزب الحق - الخير - العدل ( تاريخ النجاة ) المضاد لحزب الخطأ - الشرّ - الظلم ( ويتمثّل بالمعارضين المشار إليهم عن طريق ضمير الغائب : هم ) . ونلاحظ أن وصف المعارضين يختزل إلى اسم واحد : المشركين . فقد جرى رميهم جميعا وبكل قسوة في ساحة الشر ، والسلب ، والموت من دون تقديم أي تبرير لهذه الإدانة في السياق المباشر على الأقل . في الواقع ، إن كلّية الخطاب القرآني المعطاة من أجل الاستبطان والعيش بصفتها الكلام الموحى هي التي تقدّم التبرير وأكثر . هناك فئتان اجتماعيتان وقانونيتان ( المؤمنون ضد المشركين ) تتراءيان خلف الأدوار المدركة على مستوى المفصلة النحوية أو التركيب النحوي . أما القيمة المميّزة للسورة برمتها فهي التوبة ، ونعلم أنها تشكّل ، بحسب التراث ، أحد عناوين السورة . أما العنوان الآخر فهو براءة ( تعرف السورة أيضا بسورة براءة ) . وهي التي تقرر مصير المعارضين عن طريق تصنيفهم في جهة النجاة / أو في جهة الهلاك الأبدي ، في جهة الثواب / أو في جهة العقاب ، في جهة الحياة / أو في جهة الموت ، في ما يخصّ السجل الديني . كما وتقرر مصيرهم في جهة الحرية / أو الاستعباد في ما يخصّ أهل الكتاب ( انظر الآية رقم 29 في ما يخصّ دفع الجزية ) ؛ في جهة الاندماج الاجتماعي / أو النبذ والإقصاء ، في جهة الشرف / أو العار ، في جهة الانتصار / أو الهزيمة ، في ما يخص السجل الاجتماعي . ولكن هنا ، كما في أي مكان آخر من الخطاب القرآني ، فإن الرهان الديني هو الذي يشتغل أو يمارس دوره بصفته ديكتاتورية النهاية أو الغاية النهائية التي لا غاية بعدها . وهكذا نرى بوضوح كيف ترتسم في الصيغة الأمرية الإيعازية والمعيارية والقاطعة للخطاب أولى المسارات نحو ما سيصبح التشكيل المنتظم والمتراصّ للعقائد الأرثوذكسية ، والشيفرات القانونية الموضوعة في خدمة السلطة السياسية المركزية . ولكن سرعان ما انتقلنا من ديكتاتورية الغاية النهائية التي لا غاية بعدها إلى ديكتاتورية الغاية السياسية في ظل الخلفاء ، والأئمة ، والسلاطين ، والأمراء ، ثم اليوم القادة « الرؤساء » . نقول ذلك ونحن نعلم أن الخطاب القرآني كان يقدم الغاية النهائية بصفتها دينية أولا ، ثم دنيوية بشكل ثانوي . إن كل العلوم الدينية التي انتشرت وتطوّرت في السياقات السياسية منذ عهد السلالة الأموية زادت من أهمية التلقّي الديني للخطاب القرآني عن طريق التخفيض من أهمية الغائية الاجتماعية والسياسية ، وتصغيرها وسحبها في اتجاه ما هو سلبي . ولكي نبيّن بشكل أفضل كيف أن نص سورة التوبة يساعدنا على الفهم الأكثر دقة