محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

63

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

عدد المنتمين إليها أو المعتنقين الذين تثيرهم أو تجذبهم . يضاف إلى ذلك أن هذه اللغة المصطلحية تريد أن تكون تقنية ودقيقة عن قصد . لما ذا ؟ لكي تحرّر السامع / أو القارئ من ظلال المعاني الإجبارية التي يفرضها مباشرة المعجم الراسخ للاعتقاد الأرثوذكسي . ومن غير هذه الاستراتيجية التربوية للتحرير ، فإن المسلمات اللاهوتية للاعتقاد ما قبل النقدي كانت ستمارس فعلها بصفتها عقبات ابستمولوجية تقف في وجه العملية الحاسمة الهادفة إلى تحييد نقدي للعقل الديني . إنّ هذا المخطط البياني يتيح لنا أن نقرأ الآية الخامسة من سورة التوبة بصفتها وحدة سردية صغيرة مدمجة داخل الوحدة المركزية الكبيرة المتمثّلة بحكاية تأسيس الميثاق الذي ربط بين اللّه وآدم ( انظر قصة آدم في مواضع متفرّقة من القرآن ) . وهي حكاية استعيدت ووضّحت من خلال حلقات عديدة مشكّلة لتاريخ النجاة ( تاريخ الشعوب البائدة ، أدوار الأنبياء طبقا للترسيمة العاملية « * » نفسها المعروضة آنفا ) . إن المرسل إليه الجماعي في مكّة والمدينة يشتمل على معارضين يرفضون الميثاق وبالتالي ، فإن النضال ضدهم ضروري لكي يتمّ تحويل رفضهم إلى اعتراف . وهكذا نلتقي هنا بالمسار السردي المشترك لكل الخطاب القرآني ، ثم عبره ، لكل الخطاب النبوي . ويتمثّل هذا المسار في المراحل التالية : 1 - الحالة التي ينبغي تحويلها أو تغييرها ( أي سحق جميع فئات المعارضين ) . 2 - بطل العملية ( المرسل إليه الأول والأنصار ) . 3 - حلقات الصراع وتقلّباته المختلفة . 4 - الاعتراف أو الحالة المحوّلة والمغيّرة ( أي انتصار الإسلام ) . في ما يخص الآية الخامسة ، نلاحظ أن العامل - الذات الثاني ( أي القائل أو المتكلّم ) لا يظهر نحويا . ولكنه يعود إلى الظهور في الآية التاليّة القائلة : « وإن أحدا من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون » . وأما العامل

--> * المقصود بالترسيمة العاملية actantiel schema le أن اللّه يبعث نبيا إلى قوم ما ، فإما أن يسمعوه ويطيعوه ويؤمنوا باللّه الواحد ، وبالتالي يحصلوا على النجاة والفوز العظيم في الدار الآخرة ، وإما أن يعصوه ويسخروا منه فيبيدهم اللّه ( انظر قصة هود مع عاد وصالح مع ثمود في سورة الأعراف مثلا ) . وفي أحيان أخرى - كما حصل لمحمد - ينقسم الناس إلى قسمين : قسم معه ، وقسم ضده . ثم يجري الصراع بين الطرفين حتى ينتصر النبي وأصحابه . وهكذا نلاحظ أن هناك عدة عاملين أو فاعلين actant منخرطين في الصراع : « العامل الأول المهيمن على كل شيء هو بالطبع اللّه الذي يتدخل أحيانا في التاريخ مباشرة لنصرة نبيه عندما يكون في وضع حرج ؛ العامل الثاني هو النبي المرسل ؛ العامل الثالث هو أنصاره الذين صدقوه وآمنوا به ؛ العامل الرابع هو معارضوه الذين حاربوه . ثم تنتهي الملحمة الدراماتيكية بانتصار طرف الحق على طرف الباطل .