محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

62

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إذا ما مزجنا بين البنية العاملية « * » ، والترسيمية القانونية لعملية القول « * * » ، والترسيمية القانونية للمسار السردي ، فإننا نحصل ، بالنسبة لكلّ الخطاب القرآني ، على المخطط البياني التالي : مرسل إليه أول - مرسل أول ( أنا المتعالية + أنا - النحن ) - الموضوع ( الخطاب النبوي ) مرسل إليه أول - مرسل ثان ( المتكلّم أو القائل ) . المرسل إليه الجماعي ( أنصار / معارضون ) . أمام مثل هذه المصطلحات التقنية المعقدة لا ينبغي على القارئ أن ينزعج كثيرا ولا أن تحبط عزيمته ، على الرغم من أنها قد تبدو له متعاملة أكثر مما يجب أو متعجرفة أو بلا جدوى . فكما قلت سابقا ، فإن لها هدفا تربويا وتثقيفيا . فهي التي تساعد القارئ على استبصار الآليّات الأزلية التي لا تختزل لكل مفصلة لغوية ودلالية للمعنى « * * * » ، أقصد مفصلة هادفة إلى توصيل رسالة ما . ودرجة ملاءة أو مطابقة هذه الرسالة إنما تقاس بحسب

--> * المقصود بالبنية العاملية هنا actantielle structure la : مجموعة الضمائر التي تتجادل أو حتى تتحارب داخل النصّ القرآني . فهناك الضمائر الدالّة على اللّه ورسوله والمؤمنين ، والضمائر الدالّة على المعارضين . والنصّ القرآني كله ما هو إلا مسرح للصراع بينهما . بالطبع ، كان المعارضون في البداية هم أهل مكة فقط ، ثم توسّعت دائرتهم حتى شملت البدو ، واليهود ، والنصارى . ولكن نلاحظ أن أركون لم يذكر في مخططه البياني لا اسم اللّه ولا اسم النبي ولا اسم المؤمنين ولا اسم المشركين أو الكفّار . لما ذا ؟ لكي يبقي على الصيغة الألسنية المحضة للصراع بين الفئات . * * بالفرنسية : lenonciation de cononique schema . Le * * * ليس من السهل على القارئ أن يتتبع كل هذه التحليلات والمصطلحات الألسنية العويصة . وأعترف أني وجدت صعوبة كبيرة في ترجمتها وتسهيل فهمها على القارئ . ولكني أدرك لما ذا ابتدأ أركون دراسته للقرآن بتطبيق المنهجية الألسنية . لقد أعطاها الأولوية بالقياس إلى المنهجية التاريخية أو الأنتربولوجية ، وذلك لأن النصوص الدينية الكبرى تنسينا أحيانا أنها نصوص لغوية . فمن كثيرة قدسيتها وهيبتها التي تفرضها علينا ، فإننا نتوهم أنها ليست مؤلفة من حروف وألفاظ ، وتراكيب وجمل كبقية النصوص . وبالتالي ، فإن المنهجية الألسنية تساعدنا على تحييد الأحكام اللاهوتية أو الشحنات اللاهوتية الثقيلة التي تحيط بالنص الديني منذ مئات السنين . يضاف إلى ذلك أن المنهجية الألسنية الحديثة هي وحدها التي تستطيع أن تكشف لنا عن كيفية تركيب المعنى ( أو مفصلته كما يقول أركون ) من خلال طريقة تركيب الجملة أو العبارة اللغوية .