محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

59

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

تحيلنا في الواقع إلى الذرى المختلفة جدا للتجربة الحميمية مع الإلهي . وهي تجربة مقادة أو ممارسة من قبل كلّ ذات إنسانية من جهة ، ومن قبل السلطة السياسية التي تحاول إضفاء المشروعية على قوانينها القضائية بواسطة استخدام السيادة العليا المتعالية من جهة أخرى . وهنا ، في هذه النقطة بالذات ، وتتجلّى بوضوح الحاجة النظرية والعملية إلى التمييز بين مختلف الذرى وحماية الاستقلالية الذاتية لكل منها . وعندما نعرض الأمور على هذا النحو ، نجد أن الفصل بين الذروتين الروحية / والزمنية ، أو الدينية / والدنيوية ، يتجاوز تلك التعارضات الإيديولوجية والعقيمة فكريا ، أقصد التعارضات الكائنة بين الكنيسة / والنزعة المضادة للكنيسة . وهي تعارضات رسّخت باسم علمنة ( أو دنيوة ) تختزل العامل الديني إلى مجرد فضلة أو بقية من بقايا التاريخ « التحريري » ، وتزيّف رهانات الجدلية الكائنة بين المعنى / والقوة . إنّ هذه العلمنة النضالية الموضوعة في خدمة مشروع سياسي دقيق يتمثّل في تشكيل جمهورية « واحدة لا تتجزأ » ، قد تجاهلت إحدى مشروطياتها التأسيسية ، وأقصد بها الانفتاح الفلسفي على دراسة جميع الذرى البشرية التي تساهم في إنتاج المعنى . فالمدرسة « الإلزامية ، العلمانية ، المجانية » للجمهورية في فرنسا ، إذ خصخصت الدين عن طريق حذفه من برامج التعليم التي تقرّرها وزارة التربية الوطنية ، قد ولّدت جهلا ضارّا بالبحث النقدي عن المعنى ، هذا البحث الذي تقوم به الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع . وهذا الجهل بالظاهرة الدينية مارس دوره أيضا كثقافة رسمية لعدم الاعتقاد ، هذا في حين أن مسألة الظاهرة الدينية ، كما أحاول جاهدا أن أبلورها هنا ، تظلّ مطروحة . ويزداد طرحها إلحاحا من الناحيتين السياسية والمعرفية بعد ما كانوا قد توهموا إمكانية التخلّص منها نهائيا عن طريق تقدّم المعرفة العلمية الوضعية التي طالما تسترت وتقنّعت بالمظاهر الخارجية للمعرفة الموضوعية والموثوقة . على الرغم من التحفّظات التي عبّرنا عنها سابقا بخصوص اللحظة الدلالية أو السيميائية لعلم التأويل التأملي الاستبطاني ، إلّا أنه يظل من المفيد أن نذكّر بالفضيلة التثقيفية أو التربوية لهذا التدريب المنهجي الذي يتيح لنا تعطيل الهجمة المزعجة للمحاجّة اللاهوتية . وبالتالي ، فمن المفيد أن نذكّر في ما يخصّ الآية الخامسة من سورة التوبة التي تشغلنا هنا بالحقيقة التالية ، وهي أنه لا يمكن أن نقرأها خارج البنية التي تتحكّم بالعلاقات بين الأشخاص أو الضمائر . وأقصد بذلك إطار التواصل أو التوصيل المشترك الذي يخترق الخطاب القرآني من أوله إلى آخره ( بل ويمكننا بعد إجراء بعض التصحيحات أن نعمّم هذا الإطار لكي يشمل كل الخطاب النبوي في التوراة والأناجيل « * » ) .

--> * مصطلح الخطاب النبوي ( أو خطاب النبوّة ) prophetique discours le لا ينطبق فقط على القرآن ، وإنما يشمل أيضا التوراة والأناجيل . والواقع أن للخطاب الديني طريقة متشابهة في استخدام اللغة . ولذا