محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

60

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إنّ الأسلوب التواصلي يشمل كل أنواع الأساليب الأخرى ويوجّهها ، هذه الأساليب التي تندمج داخل بعضها البعض طبقا لمراتبية هرمية ينبغي على التحليل أن يحدّدها بدقة عن طريق الكشف عن عمليات الوصل والفصل الكلامية « 1 » . نحن نعلم أن العامل - الذات - المرسل الأعظم ( أي اللّه ) يقوم بعدة أدوار عاملية ، أي نحوية ، في القرآن . فهو أولا يظهر أو ينفجر في وجوهنا على هيئة « أنا » خارجية على النصّ ، ولكنها تشكّل مصدرا نموذجيا أعلى لجميع عمليات القول أو النطق . ثم يظهر ثانيا على هيئة « أنا - نحن » منخرطة أو متواجدة على كل مستويات آليّة اشتغال الخطاب ، ثم بوساطته ، نجدها منخرطة في التاريخ الأرضي « * » الذي يقوده النبي - الرسول - المبشّر . إنّ توضيح هذه الأدوار والوظائف كما تتجلّى في الخطاب القرآني يتيح لنا أن نركّز الانتباه على آليّات مفصلة المعنى أو تشكيله ، وعلى كيفية استقبال هذا المعنى من قبل السامعين المستهدفين من قبل الخطاب . على هذا النحو راح يتشكّل الاعتقاد الجديد لغويا ، وراحت تتشكّل الذات الإنسانية الجديدة نفسانيا . وهي الذات المدعوة لاستبطان هذا الاعتقاد الجديد ( أن تفتح قلبك على كلام الحياة كما يقول القرآن أو بما معناه ) . وعندئذ نلاحظ مدى القوة الكشفية للخطاب النبوي الذي يصنع تحوّلات الاعتقاد والذات في الزمن المعاش معا من قبل المتحاربين أو المتجادلين الذين يملئون هذا الخطاب ، وهم في حالة تقارع مستمر من خلال الممارسة والخطاب الذي يرافقها من أجل تحويرها لكي تصبح نموذجا أعلى أو قدوة مثالية للوجود البشري .

--> - يستفيد أركون من أبحاث علماء أوروبا المتركزة على العهد القديم أو الجديد ( أي على التوراة والإنجيل ) من أجل تطبيقها على القرآن . وأحيانا يستفيدون هم منه ومن نظرياته لأنهم لا يعرفون القرآن أو التراث الإسلامي مثله . وهكذا تحصل الدراسة المقارنة ويتوسع المنظور أكثر فأكثر . ومن الفلاسفة الذين تأثر بهم أركون بول ريكور Ricoeur . Paul ولكن علماء أوروبا لا يعطون القرآن حتى الآن نفس المكانة التي يعطونها للتوراة والإنجيل . وهذا تحيّز غير مفهوم ، ويعود حتما إلى الأحكام السلبية المسبقة الموروثة عن الماضي . ( 1 ) انظر بحث ج . لا روسي بعنوان : « عملية القول والاستراتيجيات الاستدلالية في القرآن تحليل لسورة طه » : : in ، ( ( ( Taha sourate ) Coran le dans discursives strategies et Enonciatione ) ) : G . Laroussi : . 171 - 122 . pp ، ( 1982 ) 3 - 2 . no ، Theorie Analyses * هذا التحليل الألسني لكلمة اللّه أو للضمير الدالّ على اللّه يضيء لنا شبكة العلاقات الضمائرية الواردة في النص القرآني . كما أنه يضيء لنا كيفية توزّع الأدوار بين مختلف الضمائر التي تشغّل النصّ ، أي بين ضمير « الأنا - النحن » المعظّمة الدالة على اللّه والتي تحرك الخطاب إما من الخارج أو تتدخل فيه مباشرة . ومعلوم أن كلمة « اللّه » حاضرة في الخطاب القرآني بشكل هائل وتهيمن عليه من أوله إلى آخره . فقد تكررت بصيغة اللّه 2697 مرة ، وبصيغة الرب 969 مرة ، وأما على هيئة الصفات الدالّة على اللّه كالرحمن ، الرحيم ، المنتقم ، الجبار . . . إلخ ، فحدث ولا حرج . . . ثم هناك الضمير الدالّ على النبي الموجّه إليه الخطاب على هيئة « أنت » يا محمد ، ثم الضمير الدالّ على البشر الذين ينبغي على محمد أن يبلغهم بالرسالة ( هم ) . .