محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
58
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
لأجيال المؤمنين السابقة حتى انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني على الأقل . كان يمكن أن توسّع هذه التوبة لكي تشمل كل الأجيال الماضية المتواصلة في زمن النجاة الأخروي ، ولكن ليس في زمن تاريخ الأفكار وأنظمة الفكر . لما ذا ؟ لأن كل فترة من فترات الفكر محكومة بحدود ما يستحيل التفكير فيه وما لم يفكّر فيه بعد . فالمسئولون عن محاكم التفتيش والقضاة الذين حاكموا غاليليو لم يكونوا يستطيعون التفكير بأنهم إنما يطبّقون آثار معنى الإنجيل وليس إرادة اللّه . نقول ذلك على الرغم من أنهم كانوا يقولون بأن علمها عند اللّه ولا يمكن للبشر أن يتوصلوا إليها أو إلى سبر أسرارها . إنّ مهمة علم التأويل التأملي أو الاستبطاني لا تكمن فقط في التأكيد على تاريخية الآيات من أجل تعليق تطبيقها في السياق الحديث . فنحن نعلم أن هذه الاستراتيجية التأويلية مطبّقة من قبل بعض الشرّاح أو المفسّرين الذين يريدون تطوير بعض النقاط الخاصة بقانون العائلة على وجه الخصوص ، في الوقت الذي يريدون فيه المحافظة على المكانة الإلهية للوحي . ولكننا نعتقد أن أي نقد حقيقي للعقل الديني ينبغي أن يتمثّل في استخدام كل مصادر المعقولية والتفكير التي تقدمها لنا علوم الانسان والمجتمع من أجل زحزحة إشكالية الوحي من النظام الفكري والموقع الابستمولوجي الخاصّ بالروح الدوغمائية ، إلى فضاءات التحليل والتأويل التي يفتتحها الآن العقل الاستطلاعي الجديد المنبثق حديثا . إنّ استراتيجية البحث هذه ينبغي أن تقودنا إلى بلورة مكانة معرفية أكثر اتساعا وأشدّ متانة وصحة داخل منظور يؤسّس لنظرية تفسيرية للظاهرة الدينية في ما وراء التحرير الذي قد يقوم به كل دين معيّن بالقياس إلى تراثه التأويلي الخاص بالذات . وعندئذ لن نعود نتوقف طويلا عند تلك التشنّجات التبجيلية التي تخفي وراءها الدعوات إلى ممارسة عنف الجهاد المدعو بالأصغر تحت الرداء النبيل لنضال الروح الأعظم الممارس من قبل الصوفيين تحت التسمية المربحة : الجهاد الأكبر . كذلك لن نعود نلجأ إلى تلك المقارنات الخادعة التي تتحدث عن الرأفة التي تنطوي عليها المكانة القانونية لأهل الذمة في الإسلام ، أو عن الفظاظة المتشدّدة للاهوت المسيحي تجاه اليهود والمسلمين . وإنما ينبغي لنا أن نقوم بشيء آخر مختلف جذريا : ينبغي أن ننجح في عملية الخروج بشكل نهائي ولا مرجوع عنه من النظام اللاهوتي للحقيقة المطلقة ، هذا النظام المرتكز على المثلث المفهومي ، « عنف ، تقديس ، حقيقة » . وكان هذا المثلث قد دشّن ورسّخ بواسطة الخطاب النبوي نفسه . وعندئذ سوف يتخلّص الاعتقاد الديني أيضا من الازدواجية الثنائية الشّغالة حتى الآن بين الوظيفة الشعائرية للنصّ المقدس المتلوّ تلاوة بصوت مسموع ، وبين الوظيفة المعيارية للنصّ المكتوب . أقول معيارية بالقياس إلى المدوّنات الرسمية المغلقة أو الناجزة والتي يشرف عليها الفقهاء وحدهم . إن هذه الازدواجية الثنائية المعاشة في الحياة اليومية ، والتي تقف بمنأى عن كل نقد ،