محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

49

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

إما إلى التاريخوية الوضعية ، وإما إلى القول بالتاريخية الراديكالية للعقل البشري نفسه ، أي العقل البشري الذي لا يمكن فصله عن تأسيسه الاجتماعي - التاريخي ( أو عن جذوره الاجتماعية - التاريخية ) . كانت النزعة التاريخية الوضعية قد فرضت وجهة نظرها ولا تزال تفرضها حتى الآن على النحو التالي : وحدها الأحداث ، أو الوقائع ، أو الأشخاص الذين وجدوا حقيقة والذين دلّت على وجودهم وثائق صحيحة ، يمكن أن يقبلوا كمادة للتاريخ الحقيقي الفعلي . وهذا يعني استبعاد كل العقائد والتصوّرات الجماعية التي تحرّك المخيال الاجتماعي أو تنشّطه من ساحة علم التاريخ . نقول ذلك على الرغم من أن هذه العقائد والتصوّرات هي قوى حاسمة تغذّي الديناميكية التاريخية وتدعّمها . إنّ النمط الوضعي للعقل قد تجاهل أو أساء فهم المكانة الانتربولوجية للخيال . أقصد الخيال بصفته ملكة شغّالة في كل النشاطات الفنية ، والرؤى السياسية ؛ وأيضا الخيال بصفته وعاء لاحتواء المعتقدات والتصوّرات الجماعية التي . تمارس دورها كمخيال اجتماعي . وقد فعل التفسير الحرفي الإسلامي واللاهوت الدوغمائي شيئا مشابها للتاريخ الوضعي عندما رفض المجاز والوظيفة الرمزية . نقول ذلك على الرغم من أنهما يمثّلان الأدوات اللغوية الأكثر إبداعية وديناميكية ، والتي هي مستخدمة بشكل خاص في الخطاب الديني . إن إعادة التفكير في مسألة الوحي من خلال المنظورات الفلسفية التي فتحتها التاريخية ضد التاريخوية الوضعية الضّيقة سوف تجعل بالتأكيد الفكر الإسلامي قادرا على المساهمة في إعادة التقييم الحديثة الجارية حاليا للمعرفة . كما وستجعله قادرا على إعادة اكتشاف المساهمات الاستباقية أو الريادية للفكر المعتزلي ، وكذلك الاستكشافات الفلسفية المتعلّقة بالخيال النبوي والخطاب النبوي أيضا ( أقول ذلك وأنا أفكر هنا بأعمال ابن سينا وأعمال ابن رشد في آن معا ) . إن سورة التوبة توفّر لنا أفضل مناسبة لكي نعيد تقييم مفهوم الوحي عن طريق أخذ بعده التاريخي بعين الاعتبار ، وليس فقط كشيء متعال ، جوهراني ، أزلي ، أبدي يقف عاليا فوق التاريخ البشري ، على الرغم من أنه أرسل لهدايته وقيادته على هذه الأرض . فمن خلال أسلوبها ، ولهجتها الجدالية الحادة ، وموضوعاتها الاجتماعية والتشريعية والسياسية ، وكذلك طولها ، تبيّن لنا هذه السورة كيف أن الطائفة الجديدة الوليدة قد انخرطت ، بعد فتح مكّة ، في عملية بناء المؤسّسات . وهي تستطيع أن تنقض العقود أو الاتفاقيات الموقعة سابقا مع الفئات المعارضة وتفرض عليها شروطها الجديدة تحت التهديد بإشعال الحرب ضد كل هؤلاء المشركين الذين يرفضون شرع اللّه ورسوله ( انظر بهذا الصدد الآيات الخمس الأولى من السورة ، علما بأن الآية الخامسة تدعى بآية السيف ) . أما البدو ( الأعراب ) الذين يرفضون المشاركة في الحرب العادلة ( أي الجهاد ) المعلن في سبيل اللّه ، فقد أدينوا بقسوة في تلك