محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

50

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

السورة . وأما أهل الكتاب فقد أخضعوا وأجبروا على دفع الجزية . وهكذا تمّ تصنيف أو فرز الفئات الاجتماعية سياسيا ولاهوتيا . ويبدو الخط ( أو الحزّ ) الفاصل بينها دينيا من حيث المبدأ ، ولكنه في الواقع سياسي . وحدهم أولئك الذين عادوا إلى اللّه أو تابوا ( أي استسلموا وخضعوا للقوة بالمعنى السياسي للكلمة ) ، وأدوا الصلاة مع الطائفة الجديدة ، يتمّ الاعتراف بهم كأعضاء كاملين في هذه الطائفة الموعودة بالنجاة في الدار الآخرة . لا بل يسمح لهم في الواقع بالتمتع بالمكانة الاجتماعية والحماية ؛ أي التمتع بالحقوق السياسية داخل الجماعة الجديدة المنتصرة . لنشرح بشكل أكثر ملامح هذه التاريخية الموضّحة صراحة على مدار السورة التاسعة ، أقصد سورة التوبة . فهي تشكّل في آن معا كل الأشياء التالية : التاريخ الحدثي أو الوقائعي الناتج عن طريق الجماعة الوليدة للمؤمنين ومن أجلها ( أقصد الجماعة التي تشكّلت بين عامي 610 و 632 م ) . كما وتشكّل هذه التاريخية ديناميكية المتغيّرات الحاصلة في المجتمع العربي أثناء الفترة نفسها . كذلك تشكّل الوعي الأسطوري - التاريخي القادر على مفصلة التاريخ الأرضي المحسوس أو ربطه بالتاريخ المثالي والمقدس للنجاة في الدار الآخرة . وهذا التاريخ المثالي المقدس هو الذي ظل المحرك الأساسي للتاريخ الأرضي المدعو إسلاميا حتى يومنا هذا . أقول ذلك ونحن نعلم ما يدين به التاريخ الحالي للمجتمعات الإسلامية إلى الديناميكية المتكررة لهذا الوعي . ولكن إذا كان الخطاب القرآني يستطيع على هذا النحو خلع صبغة التعالي والتقديس على التاريخ الأرضي الأكثر دنيوية والأكثر عادية ، فإنه لا ينبغي أن ينسينا الظرفية الراديكالية للأحداث التي اتخذت كحجة أو كعلّة لظهوره . بمعنى آخر ، ينبغي أن نفكّر جيدا بالتفاوت الكائن بين الظرفية الأولية التي حصل فيها هذا الخطاب ، وبين الديناميكية التي لا تستنفد للوعي الأسطوري - التاريخي التي يتغذّى منها « * » . إن وجهة النظر هذه تبدو لنا حاسمة بالنسبة لكل تفسير قد نقوم به للنصوص الدينية

--> * ما ذا يعني ذلك ؟ إنه يعني أن الأحداث التي حصلت والتي تتحدث عنها سورة التوبة بشكل تلميحي أو تصريحي هي أحداث تاريخية أرضية حصلت بالفعل . ولكن بعد أن خلع عليها الخطاب القرآني صبغة التعالي ورفعها من المستوى الأرضي ، إلى المستوى الفوقي عن طريق ربطها بإرادة اللّه ومشيئته أصبحت مقدسة . وهكذا فقدت طابعها الأرضي ، أي التاريخي ، وبخاصة بعد أن مرّ عليها الزمن المتطاول ، بل وتراكمت عليها أكداس الزمن إذا جاز التعبير . ولم نعد نبصر تاريخيتها ، أو نقدر على لمحها نحن المتأخرين . . . لقد طمست تاريخيتها كليا عن طريق هيبة الخطاب الديني التأسيسي : أي الخطاب القرآني . والآن ما ذا يفعل المؤرخ المحترف ؟ إنه يقوم بحركة معاكسة ويرجع في الزمن عميقا إلى الوراء لكي يتموضع في لحظة القرآن ، ولكي يكشف عن تاريخية كل ما كان قد فقد تاريخيته وأصبح يبدو متعاليا كليا . هنا تكمن القيمة التحريرية لعمل المؤرّخين ، وبخاصة إذا كانوا يسيطرون تماما على المنهجية التاريخية : أي منهجية الحفر الأركيولوجي في الأعماق . . .