محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

45

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

أو الحاصلة باستمرار بين الوحي والحقيقة تحت ضغط التاريخ ( الوحي هنا بالمعنى المطلق ، والحقيقة بالمعنى المطلق أيضا ) . ولكن هذا التفاعل الجدلي لا يمكن أن يلحظ أو يرى من قبل الفاعلين الاجتماعيين ، أي البشر ، سواء أكانوا مؤمنين أم غير مؤمنين ، ما دام الإطار الجوهراني والمثالي والميتافيزيقي للتفسير لم يقارع - وليس بالضرورة أن يستبدل - مع الفلسفة الاستكشافية أو الاختبارية التي تقبل بالبرنامج الذي حدّدته في مقدمة كتابي عن العقل الاستطلاعي الجديد المنبثق حديثا « * » . وينبغي عليّ أن أضيف إلى هذا البرنامج المواقع المعرفية التالية التي تتطلّبها حتما أي إعادة تقييم للتراثات الدينية الحيّة . وكنت قد حدّدت هذه المواقع المعرفية بصفتها المقدمة الاستكشافية والاختبارية لنقد العقل الديني من خلال المثال الإسلامي . وإليكم هذه المواقع : 1 - هناك المثلث المعرفي المتمثّل في اللغة ، والتاريخ والفكر . هذا المثلث يشتمل على مثلث آخر كنت قد ذكرته للتوّ : « الوحي ، التاريخ ، الحقيقة » ، وذلك بصفته حقلا خاصا لمسألة أكثر شمولية . 2 - وهناك المثلث اللاهوتي - الفلسفي التمثّل في : « الايمان ، العقل ، الحقيقة » . ينبغي القول بهذا الصدد ما يلي : إن المناقشات القروسطية التي دارت حول هذا المثلث المفهومي لم تشتمل على الوظيفة الكاشفة للّغة والتاريخ ، أو لم تحددها بدقّة . وأقصد بها الوظيفة التي ترينا كيف أن اللاهوت ينبغي أن يكون دراسة لتجلّيات الايمان تحت ضغط التاريخ الحيّ وتأثيراته . 3 - وهناك المثلث التأويلي : « الزمن ، القصص ، المعنى النهائي والأخير » ( أو الحقيقة المطلقة طبقا للتحديد الميتافيزيقي ) . والسؤال المطروح هنا : كيف يمكن أن نذهب إلى ما وراء الدائرة التأويلية المتمثّلة في العبارة التاليّة : أن تفهم لكي تؤمن ، وأن تؤمن لكي تفهم . 4 - المثلث التجريبي ( أي المبنيّ على الملاحظة والاختبار ) : « العقل ، المجتمع ، السلطة / السيادة العليا » . كان هذا المثلث قد عرف في الفكر الإسلامي ونوقش تحت اسم : دين ، دنيا ، دولة ؛ أو : دين ، مجتمع ، حكومة ( أو سياسة ) . 5 - المثلث الانتربولوجي : « العنف ، التقديس ، الحقيقة » . إن سورة التوبة تقدّم مثلا ممتازا على دراسة هذا المثلث كما تجسّد في القرآن . ولذلك فسوف ندرسها بعد قليل .

--> * هو كتاب سوف يصدر لاحقا بالإنكليزية ، وهو أول كتاب يؤلّفه أركون مباشرة بهذه اللغة . ويريد من خلاله أن يبلور نظريته الفكرية العامة . فنحن دخلنا الآن عصر العولمة ، وكذلك القرن الحادي والعشرين . فهل سيظهر عقل جديد ، أو بالأحرى فكر جديد ، يتجاوز الحداثة الكلاسيكية ويدخلنا في مرحلة ما بعد الحداثة ؟ قلنا سابقا إن أركون لا يحب هذا المصطلح وإنما يفضّل عليه مصطلح « العقل الاستطلاعي المستقبلي » .