محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
46
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
6 - المثلث الفلسفي - الانتربولوجي ، أو التأسيس الاجتماعي للعقل والتأسيس الخيالي للمجتمع : « عقلاني ، لا عقلاني ، خيالي / مخيال » . إن هذا المثلث يتناسب بشكل خاص مع بحثنا عن الوحي ، والتاريخ ، والحقيقة . أما الصفة اللاعقلانية أو الأبعاد الخيالية للعقل فقد أنكرت من قبل اللاهوت الكلاسيكي والميتافيزيقا لأنها تقول بأن الانسان خلق على صورة اللّه ، ولأنه يحاول جاهدا أن يتشبّه باللّه ( انظر التألّه الخاص بالصوفيين والافلاطونيين المحدثين ) . إن القوى الفعّالة المؤثّرة للعامل اللاعقلاني وللمخيال كانت ولا تزال مخبوءة ، مجهولة ، لا مفكّرا فيها حتى في ثقافتنا الأكثر تعقيدا ، وعقلانية وعلمية . من بين كل المواقع الفكرية المذكورة آنفا ، نجح الفكر الإسلامي منذ القرن التاسع عشر في المحافظة على الوهم ، وهو أنه يستطيع المساهمة في النقاش الدائر حولها من خلال تطبيقها على الدراسات الإسلامية . نحن نعلم كيف أن بعض محاولات طه حسين ، وسلامة موسى ، وعليّ عبد الرازق قد ولّدت مناقشات مثمرة ، ولكنها فشلت في تشكيل مدرسة للبحث ، والتعليم ، والفكر . ففي خلال الفترة المدعوة بالعصر الليبرالي ( 1830 - 1940 ) ، لم يصل النقد الفيلولوجي والتاريخي قط إلى مستوى الدراسات التاريخية والأدبية واللغوية التي حصلت في أوروبا بين عامي 1700 و 1950 . كان العقل الديني ينقل المناقشة دائما من إطارها العلمي إلى إطارها اللاهوتي والأخلاقي الشرعي ( أو إلى تقييم لاهوتي وأخلاقي - شرعي لها ) . ثم طرأ على الفكر الإسلامي أو العربي تغيّر أيديولوجي جديد بعد عام 1945 . وفرضت ذلك مقتضيات النضال الوطني أو القومي من أجل التحرر السياسي من الاستعمار . وهكذا راح الإيديولوجيون العرب أو المسلمون يرفضون بعض ما حصل من تقدم هشّ في مجالات معرفية معيّنة أثناء العصر الليبرالي . راحوا يتنكّرون لها باعتبار أنها نتاج الفكر والثقافة البورجوازية . وسيطر عندئذ نموذج « الأدب والفكر الملتزم » ، وهو نموذج مستورد من قبل « المثقفين » الماركسيين - الشيوعيين . وظل مسيطرا حتى حلّ محله النموذج الإسلامي المدافع عنه حاليا من قبل الحركات الأصولية . نحن نعلم مدى التوسع أو الانتشار السوسيولوجي السريع الذي حقّقه ذلك الإطار الايديولوجي / الأسطوري من الفكر خلال الثلاثين عاما الماضية . وقد رافقه ظهور فئات اجتماعية جديدة تحت ضغط التزايد الديمغرافي ، وكذلك الضغوطات الاقتصادية والسياسية . وانه لمن الصعب الآن أكثر من أي وقت مضى أن تحوّل المخيال الاجتماعي - الديني - السياسي الجبّار عن التصورات « والقيم » الشعبوية ، إلى العقلانية العلمية والنقدية . وذلك لأن نقل المعرفة الجديدة والمواقف العقلية التي تتطلّبها لا يعلّم بشكل صحيح في المدارس العربية أو الإسلامية ، ناهيك عن العقبات الإيديولوجية التي تنشرها وسائل الاعلام و « الثقافة » الرسمية .