محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

44

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

محاولاتهم الهادفة إلى إدخال الفكر الإسلامي في الاهتمامات والمناقشات النظرية للنزعة النقدية المعاصرة . في ما يخص مقالتي الصادرة في عام 1973 عن الغزالي ، أودّ أن أقول بأني أدخلت تعديلا على العنوان . فلم يعد : « الوحي ، الحقيقة ، التاريخ » ، وإنما أصبح : « الوحي ، التاريخ ، الحقيقة » . وهكذا أصبح « التاريخ » في المنتصف ولم يعد في الأخير . لما ذا فعلت ذلك ؟ لأنه يوجد تفاعل مستمر بين فعاليات الذهن ( أو الروح ) والتاريخ . فالروح تحاول جاهدة أن تتوصل إلى الحقيقة وأن تجسّدها في التاريخ . ولكن هذه الفعالية تحصل تحت تأثير الوظيفة المعرّية أو الكاشفة للتاريخ ، أقصد التاريخ الذي يجبر الروح البشرية على الاعتراف بمدى انقيادها للمعرفة الخاطئة ، والمعتقدات غير المسيطر عليها ، والتركيبات الاعتباطية ، والخيارات الخطرة الناتجة عن التصوّرات الذاتية العاطفية ، وإرادة القوة والهيمنة ، والرغبات الملحّة ، أكثر مما هي ناتجة عما يقدّم ويدافع عنه بمثابة الحقيقة ، والعدل ، والطريق القويم . إنّ التاريخ يجبل أو يصوغ حياة الفاعلين الاجتماعيين ( أي البشر ) الذين ليسوا واعين بصورة متساوية بأصل أفعالهم الفردية والجماعية وآليّاتها وانعكاساتها . إن نصوص الوحي ، وتعاليم الأنبياء ، والكتب الفقهية ، والتفسير الأرثوذكسي ، والتأريخ ( أي كتابة التاريخ ) ، والأرثوذكسية ، والأدبيات البدعوية . . . إن كل هذه التركيبات المكتوبة التي أنتجتها الذاكرة الجماعية تتضافر وتتلاقى في ما تدعوه الطائفة وتستخدمه وتحميه تحت اسم : « التراث الحيّ » . بهذا المعنى ، فإن التراث ( بالمعنى الكبير والمثالي للكلمة ) هو الوعاء الذي يتلقّى كل الحقائق الناتجة عن التجارب الوجودية المشتركة لدى الطائفة « الأرثوذكسية » « * » المختارة أو الرشيدة . ويعتقدون أن كل الحقائق المدمجة أو المستوعبة في هذا التراث المثالي الكبير هي بالضرورة متجذّرة في الحقيقة العليا ، المطلقة ، الانطولوجية ، الجوهرانية ، المقدسة واللاتاريخية . إن التاريخ بصفته سيرورة وجودية كشفية ( أو كاشفة ) ، سيرورة مضاءة ، مهديّة من قبل كلام اللّه الموحي ومتجذّرة فيه ، يولّد تصوّرا عن الحقيقة مختلفا من الناحية النفسية عن التصور المحدّد من قبل الأنظمة المعرفية الحديثة . وهو تصوّر ظرفي ، آني ، متغيّر ونسبي عن الحقيقة . وقد انتصر هذا التصوّر منذ أن حصل الانتقال من العقل الديني إلى العقل العلمي والفلسفي . إن العلوم الإنسانية أو الاجتماعية الحديثة توضّح الجدلية التاريخية اللامرئية المشتغلة

--> * يضع أركون كلمة أرثوذكسية بين قوسين لأنها ليست أرثوذكسية - أي مستقيمة وصحيحة - إلا من وجهة نظر أصحابها . فكل طائفة تنتصر سياسيا تفرض نفسها على المجتمع ككل بمثابة الطائفة الوحيدة الصحيحة .