محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
26
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
تخلع التعالي على الأشياء . وهناك مشاكل عديدة ينطوي عليها مثل هذا التحويل . فالعملية التحويلية والأساليب اللغوية والأدبية والبلاغية التي كانت قد استخدمت من أجل خلع الصبغة التنزيهية والتقديسية والمتعالية والأنطولوجية على الكتاب كانت قد أوضحت وبرهن عليها علميا في ما يخصّ التوراة والأناجيل ، ولكنها لم تحصل حتى الآن في ما يخصّ القرآن . لما ذا ؟ لأن الظروف السياسية والثقافية والتربوية السائدة تحول دون القيام بمثل هذا العمل في كل السياقات الإسلامية ( أي في جميع المجتمعات العربية والإسلامية ) . نحن نرى من خلال هذه المصطلحات اللاهوتية كيف يمكن أن نصل إلى المقولات أو التحديدات الرمزية الأساسية من مثل : كلام اللّه السماوي ، أو التجسيد / أو نطق اللّه المنقول عبر شخص بشري أو لغة مختارة ومصطفاة ، أو توصيل كلام اللّه إلى البشر عبر وسيط . وهي مقولات رمزية كانت قد بلورت في سياقات ثقافية مختلفة ، ومصحوبة بأنظمة لغوية مختلفة للإيحاءات الدلالية ( في العربية والعبرية والآرامية من جهة ، ثم الإغريقية واللاتينية من الجهة الأخرى ) . وهذه الأنظمة اللغوية هي التي تميّز الطوائف عن بعضها البعض عن طريق التمايز في النماذج الدينية . وهذا ما يقودنا إلى استخلاص الدروس الحاسمة التالية : إنّ الأنظمة اللاهوتية تستمر في إهمال المقولات الانتربولوجية والجانب التاريخي الظرفي من السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي كانت قد رسّخت فيها الحقائق « الإلهية » ، المعصومة والمقدسة والعقائدية . ومن وجهة النظر هذه يمكن القول بأن الأنظمة اللاهوتية تملأ الوظيفة الايديولوجية نفسها التي يملؤها جدار برلين . نقول ذلك على الرغم من أنها يمكن أن تزود الطوائف الدينية ، بل وتزودها فعلا من بعض النواحي بثقافة رمزية مخصبة ، ومقوّية ، ومقتدرة . بالطبع ، إن الجدران تظل صلبة وقائمة بين الطوائف كالحجاب الحاجز لأننا لم نبلور بعد الاستراتيجيات المعرفية المناسبة من أجل هدمها ، ثم من أجل استكشاف الفضاء الانتربولوجي والثقافي والفلسفي الحقيقي « * » . أقصد فضاء التفسير للثقافات والتراثات ، والذي يفسّر لنا جميع الأنظمة الرمزية للتصوّر سواء أكانت موروثة عن الماضي ، أم
--> * يقصد أركون بجدار برلين القائم بين اليهود والمسيحيين والمسلمين ، ذلك الحجاب الحاجز الذي يمنعهم من التواصل والحوار ، كما كان جدار برلين يمنع العالم الشيوعي ، والعالم الليبرالي الغربي عن التواصل والحوار . فمتى سينهار « جدار برلين » بين الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى ؟ لا ريب في أن ملتقيات الحوار الإسلامي - المسيحي تلعب دورا إيجابيا في هذا المجال . أما مسألة الحوار الإسلامي - اليهودي فلا يمكن أن تنطلق قبل أن يحلّ النزاع العربي - الإسرائيلي . ولكن ملتقيات الحوار هذه وندواته ومؤتمراته ليست كافية في نظر أركون . لما ذا ؟ لأنها لا تطرح المشاكل بشكل جذري عميق ، ولا تؤدي إلى تفكيك الأنظمة اللاهوتية أو الجدران الطائفية التي تفصل بين أتباع هذه الأديان الثلاثة .