محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

27

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

حاضرة ، أم مستقبلية . ولكن ما ذا نلاحظ ؟ أن الجدران ليس فقط تظل قوية ، وإنما هي تزداد قوة وصلابة ، بل ويعاد بناؤها إذا جاز التعبير ، وذلك تحت تأثير ثلاثة أحداث عظمى حصلت في القرن العشرين . هذه الأحداث هي : كارثة المحرقة ( الهولوكوست ) التي لا يمكن غفرانها ؛ الإلحاد الرسمي المفروض من قبل النظام الشيوعي طيلة سبعين سنة ، وتأسيس دولة إسرائيل على يد الدول الأوروبية الاستعمارية والعلمانية مع إهمالها لمسألة التمركز الكثيف للتجلّيات الدينية أو الرمزية المتصارعة في الأرض المقدسة ، أو أرض الميعاد ، أو أرض المقدسات الثلاثة ، أو الذاكرات الجماعية التقديسية ( أي التي تخلع التقديس على الأشياء ) . أقصد بذلك أن الأديان التقليدية كانت قد استخدمت ولا تزال تستخدم حتى الآن كملاذ سياسي ، واحتمالا كوسيلة أو كقاعدة انطلاق من أجل الاستيلاء على السلطة . وما دام هذا الضغط التاريخي واقعا على الأديان ، فإن أكثر الأنظمة اللاهوتية انفتاحا ، وأعظم العلوم استنارة لن ينجحا في موازنة تأثير التصورات الدينية الطائفية بصفتها قوة إيديولوجية محرّكة للجماهير . وهكذا نلتقي بمسألة نظرية أخرى ، وسوف أطرحها على النحو التالي : هل يمكننا أن نتوصل في يوم من الأيام إلى تحرير الخطاب الديني بشكل عام ، والخطاب المنعوت والمتلقّى على أساس أنه وحي بشكل خاص ، من وظيفتيهما بصفتهما نطقا وتعبيرا عن سيادة اللّه المنقولة إلى سلطة الملك ، أو الإمبراطور ، أو الخليفة ، أو السلطان ، أو الرئيس ؟ بعد أن وصلت في الحديث إلى هذه النقطة ينبغي أن أوضح للقارئ ما الذي سأفعله الآن بالضبط . أنا أخرج الآن أو أتخلّص من ، نظام فكري قديم من غير أن أبالي بانعكاسات ذلك على ديني وتضامناتي التاريخية والثقافية مع طائفتي الإسلامية . ولكني أعرف أن جميع الطوائف الدينية الأخرى من يهودية ومسيحية معنيّة تماما ، وبالدرجة نفسها ، بالمسائل النظرية التي أثيرها الآن في ما يخصّ مفهوم الوحي . فهذه المسائل تشكّل تحديا أو ربما استفزازا للجميع . أقول ذلك ونحن نعلم أن مفهوم الوحي كان قد بسّط ، وضيّق ، وحطّ من قدره ، ثم أخيرا هجر من قبل العقل العلمي المستنير وترك ل « مسيري أمور التقديس » ، أي لرجال الدين في كل طائفة أو ملّة « * » . ما سأفعله أنا الآن يتمثّل فيما يلي : إنني أزحزح المسائل القديمة في اطار معقوليتها الانغلاقية ، الثنوية ، الحرفية ، الجوهرانية ، أو الفيلولوجية ، التاريخوية ، الوضعية ، العلموية ، إلى إطار آخر مختلف تماما وأوسع بكثير . إنني أزحزحها إلى إطار

--> * كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر هو الذي اخترع مصطلح « مسيري أمور التقديس » أو المشرفين على شؤون التقديس ، ويقصد بهم رجال الدين . وفيبر يتحدث عن الدين كظاهرة سوسيولوجية ، أي منتشرة في الشعب ومهيمنة على عقله .