محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

25

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

تعتقده الطائفة اليهودية ، والطائفة المسيحية ، والطائفة الإسلامية . . . وكل طائفة تحذف ما عداها . إنني إذ أقول هذا الكلام ، لا أقصد أن الاختيارات والانتفاءات التي يقوم بها كل تراث ديني تؤدي فقط إلى نتائج سلبية . فلا أحد يستطيع أن ينكر خصوبة الموضوعات اللاهوتية الكبرى المختارة من قبل المسيحية . وأقصد بها : تجسد اللّه بشكل أرضي أو تجسّده في المسيح ، أي اتحاد الصفتين اللاهوتية والناسوتية فيه . كما وأقصد بهذه الموضوعات اللاهوتية الكبرى موضوع الافتداء أو التخليص من الخطيئة : أي خلاص البشر على يد المسيح . وكذلك موضوع البعث ، والصلب ، والقربان المقدس . أما الخط التوحيدي المدافع عنه من قبل الإسلام ، فله أيضا غناه الخاص والمبتكر . ولكن طيلة قرون وقرون كان كل تراث يحوّل الخيارات اللاهوتية المعتمدة من قبل « العدو » إلى مماحكات جدالية . وكل تراث راح يبقي في دائرة « المستحيل التفكير فيه » أفضل ما علّمه « الآخر » ، أو كل ما علّم بصفته « المفكّر فيه » الأثمن والأرفع من قبل الآخر . ولو أتيح لنا أن نكتب التاريخ المقارن للأنظمة اللاهوتية المبلورة من قبل كل طائفة ، لكنا انتهينا من ضرورة إعادة التفكير بجميع القضايا المتعلقة بالحقيقة الدينية ، والوحي الصحيح / أو المزيّف والمحرّف ، والتراثات الحيّة بمعجمها اللفظي الجوهراني المثالي المستخدم من قبل الفكر اللاهوتي والأنظمة الميتافيزيقية الكلاسيكية في آن معا . وهي أنظمة تعود إلى أفلاطون وأرسطو وأفلوطين وأتباعهم العديدين على مرّ العصور . على هذه القواعد أو الأسس النظرية سوف نستمر في وصفنا الفينومينولوجي ( الظاهراتي ) للوقائع والحقائق . أيّا تكن القناة الأصلية أو الناقل الأصلي للوحي الأوّلي ، فإننا نلاحظ أن التلفّظ الشفهي به كان قد نطق أولا من قبل وسيط . وهذا الوسيط في حالة الإسلام يدعى الرسول أو النبي ؛ وفي حالة المسيحية يدعى تجسيد اللّه على الأرض أو يسوع المسيح . إنه شخص يتوسّط بين اللّه والجنس البشري . ثم سجّل هذا الوحي كتابة فيما بعد على الرق أو الورق لكي يصبح كتابا عاديا يمكننا أن نخزّنه ، أو نفتحه ، أو نقرؤه ونفسّره . وهذا الكتاب نفسه أصبح من خلال سيرورة تاريخية : « الكتابات المقدسة » . وهذا يعني أنه قدّس أو خلعت عليه أسدال التقديس بواسطة عدد من الشعائر والطقوس ، والتلاعبات الفكرية الاستدلالية ، ومناهج التفسير المتعلّقة بالكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو التي تمكن معرفتها ، وأقصد بها الظروف السياسية ، والاجتماعية ، والثقافية . وهكذا تمّ تحويل كلام اللّه المتمثّل بنطقه الشخصي ذاته وبصفته أزليا ، أبديا ، متعاليا ، لا نهائيا وغير قابل للاستفادة من قبل أي جهد بشري ، إلى كتاب عادي مادّي نلمسه باليد ونتحسّسه ونفتحه ونقرؤه . . . ولكنه يتمتع في الوقت عينه بمكانة « لاهوتية » بصفته « كتابات مقدّسة » ، وشرعا مقدّسا ( أي قانون مقدّس وشريعة ) ، وأخلاقا مقدّسة ، ومعرفة متعالية أو