محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
19
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
دعونا الآن نعود إلى المبادئ اللاهوتية الأساسية المشتركة لدى جميع المسلمين في ما يخصّ الوحي . دعونا نذكّر بها لأنها تشكل مسلّمات لا تناقش بالنسبة للجميع : 1 - كان اللّه قد بلّغ مشيئته للجنس البشري ( أو لمخلوقاته البشرية ) عبر الأنبياء . ولكي يفعل ذلك فإنه استخدم اللغات البشرية التي يمكن للشعب المعني أن يفهمها . ولكنه في حالة آخر تجلّ للوحي عبر النبي محمد ، فإنه بيّن كلماته بلغته الخاصة بالذات ، وبنحوه ، وبلاغته ، ومعجمه اللفظي بالذات . وكانت مهمة النبي / الرسول تكمن فقط في التلفّظ بالخطاب الموحى به إليه من اللّه كجزء من كلام اللّه الأزلي ، اللانهائي ، غير المخلوق . لقد ألحّ التراث على دور الملاك جبريل بصفته الأداة الوسيطة ( أو صلة الوصل ) بين اللّه والنبي محمد . 2 - إن الوحي الذي قدّم في القرآن من خلال محمد هو آخر وحي . وهو يكمل الوحي السابق له والذي كان قد نقل من خلال موسى وعيسى . كما أنه يصحّح التحريف الذي لحق بالتوراة والإنجيل . إنه يحتوي على جميع الأجوبة ، والتعليمات ، والمعايير التي يحتاجها البشر من أجل تدبير حياتهم الأرضية وهدايتها وتنظيمها ضمن منظور الحياة الأبدية ( تاريخ النجاة ، الفرائض الدينية ، الشعائر والطقوس ، الأعياد الدينية ، المعايير الأخلاقية والشرعية ، المعرفة الصحيحة ، التصوّرات عن المخلوقات والعلاقات معها ، السماوات ، الظواهر الفيزيائية ، الكون . . . ) . 3 - الوحي المتجلي في القرآن شامل وكامل ويلبّي كل حاجات المؤمنين ويجيب على تساؤلاتهم ( واحتمالا كل الجنس البشري يرغب في التعرّف على التراث حتى في يومنا هذا ، وذلك بحسب الرأي الأصولي ) . ولكن هذا الوحي القرآني لا يستنفد كلمة اللّه كلها . فالواقع أن الوحي ككل محفوظ في الكتاب السماوي ( في أمّ الكتاب كما يقول القرآن ، أو في اللوح المحفوظ ) . ينبغي أن نعلم أن مفهوم الكتاب السماوي المعروض بقوة شديدة في القرآن هو ، في الواقع ، أحد الرموز القديمة للمخيال الديني المشترك الذي كان شائعا في الشرق الأوسط القديم . وقد برهن على ذلك المستشرق السويدي جيوفيدينغرين Geo Widengren في كتابه : محمد ، رسول اللّه وصعوده ( أوبسالا ، 1955 ) . انظر كذلك كتابه الآخر بعنوان : صعود الرسول والكتاب السماوي ( اوبسالا ، 1950 ) . هذا وسوف نعود إلى هذه النقطة فيما بعد لأنّها لم تدمج كثيرا أو بشكل صحيح في النظرة التقليدية
--> - أوروبا على مدار أربعة قرون . صحيح أن المسافة بين باريس وبعض العواصم العربية قد لا تتجاوز الثلاث ساعات بالطائرة ، ولكنها حتما تتجاوز الثلاثة قرون من حيث العقليات والمنهجيات . هذه النقطة إذا لم نفهمها أو لم نأخذها بعين الاعتبار ، فإننا لن نفهم فكر أركون وكل الفكر العلمي الحديث . ولن نفهم موقعنا على خارطة العالم ولا حجم المهام الضخمة الملقاة على عاتقنا .