محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
20
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
إلى الوحي « * » ( أو بالأحرى لم تؤخذ بعين الاعتبار ) . 4 - إن جمع القرآن في نسخة مكتوبة ومحفوظة ماديا بين دفتي كتاب يدعى المصحف يمثّل عملية دقيقة وحرجة . ولكنها ابتدأت بكل دقة أيام النبي ثم أنجزت مع كل الضبط اللازم في ظل الخلفاء الراشدين وبخاصة في ظل عثمان . وبالتالي ، فالقرآن المحفوظ عن ظهر قلب ، والمتلوّ ، والمقروء ، والمشروح من قبل المسلمين منذ أن انتشر مصحف عثمان ، هو النسخة الكاملة ، والموثوقة ، والصحيحة للوحي الذي بلّغ إلى محمد . 5 - إن الوحي القرآني يمثّل الشرع الذي أمر اللّه المؤمنين بأتباعه بحذافيره . فاتباعه يمثّل علامة على الاعتراف بمديونيّة المعنى تجاه اللّه ورسوله اللذين رفعا المخلوق البشري إلى مستوى الكرامة الشخصية عن طريق ائتمانه على الوحي ( أي وضع وديعة الوحي لديه ) . إن الأحكام ( أو المعايير ) السياسية ، والأخلاقية ، والقانونية التشريعية مشتقة من الشرع الإلهي عن طريق الجهد الفكري والروحي الذي يبذله « العلماء » المجتهدون ( أي كبار رجال الدين ) . ولا يمكن لأي كائن بشري أن يغيّر النظام السياسي والاجتماعي المبنيّ على هذه الأحكام والمحافظ عليه من قبلها . 6 - إن التوتر الكائن بين هذه المكانة الإلهية للوحي وغايتها البشرية ، وبين التصوّر الحديث للقانون الوضعي وللنظام الاجتماعي والسياسي قد وصل إلى ذروته منذ أن كانت أنظمة ما بعد الاستعمار قد فرضت الإسلام كدين للدولة ، ثم أعطت في الوقت ذاته مكانة متسعة أكثر فأكثر للتشريع العلماني أو الدنيوي . وهذا التناقض غالبا ما يظهر أثناء مناقشة قانون الأحوال الشخصية الذي لا يزال خاضعا للأحكام القرآنية . فعدد النساء اللواتي يطالبن بإلغاء هذه القوانين المدعوة بالإصلاحية يتزايد أكثر فأكثر . وهذا ما سيحصل عاجلا أو آجلا . وعندئذ فإن مشكلة الوحي سوف تقلّص أو تختزل إلى أبعادها التاريخية والنفسانية ، كما هي الحال في ما يخص المسيحية راهناً . إن كل هذه المبادئ هي نتيجة سيرورة تاريخية طويلة من البلورة والتعليم والتلقين . ولكن قواعدها الأساسية في القرآن نفسه لم تقبل مباشرة من قبل معاصري محمد بن عبد اللّه عندما ابتدأ بتبليغ رسالته في مكّة . كنت قد بيّنت في مقالة قديمة بعنوان « موقف المشركين
--> * في الواقع إن النظرة التقليدية إلى الوحي لا تعترف بأي علاقة بينه وبين الشؤون الأرضية . هذا ما يعتقده المؤمنون التقليديون في كل الأديان والطوائف . . . ولكن المشكلة هي أن علم التاريخ الحديث الذي ينبش عن أقدم الحضارات استطاع أن يكشف عن علاقة بين الكتب المقدسة وبين الحضارات التي ازدهرت في منطقة وادي الرافدين . وقد مثّل هذا الكشف حدثا صاعقا لا يقل أهمية عن اكتشافات داروين أو كوبرنيكوس من قبله . للمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع الخطير انظر كتاب العالم الفرنسي جان بوتيرو Bottero Jean : ولادة فكرة اللّه الواحد لأول مرة . الكتاب المقدس والمؤرّخ ، . deieu Naissance . 1986 ، Gallimard ، Paris ، lhistorien et Bible La