محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

18

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الأميّين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة منذ أن كانت المذاهب التقليدية قد أخذت تقدم المواعظ المشكّلة من مبادئ بسيطة سهلة وموجزة ، وهي مبادئ تقول للمؤمن ما الذي ينبغي الإيمان به وما الذي ينبغي نبذه . وانتشرت هذه العقيدة التبسيطية بدءا من القرن العاشر الميلادي . كنت قد بيّنت مدى أهمية هذه النسخة الشفهية الشعبية المقتطعة من العقيدة الأرثوذكسية المبسّطة والدور الذي لعبته في تشكيل الإيمان الإسلامي منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا « 1 » . وهذا التراث التعليمي ساد وهيمن على امتداد قرون طويلة . واستخدمت كلمة اللّه لدعم المعتقدات ، والتقاليد ، والعادات ، والشيفرات الثقافية لفئات عرقية - لغوية عديدة موجودة في جميع المجتمعات التي انتشر فيها « الإسلام » . وهذه الفئات المتواجدة في إندونيسيا ، والهند ، والصين ، وإفريقيا ، وآسيا الوسطى لا تستطيع حتى الآن التوصل إلى القرآن في نسخته العربية . وهي تقيم علاقة مع اللّه ، أو محمد ، أو القرآن ، من خلال التلاوة الشعائرية جدا لسور القرآن القصيرة . كما وتقيم علاقة معهم من خلال الحكايات الأسطورية التي تروي قصص الملائكة والأنبياء الذين نقلوا الوحي أيضا . وهذه الحكايات تحكى شفهيا للأطفال والبالغين باللهجات المحلية الوطنية « 2 » . إن هذه التجربة النفسانية تحصل لجميع الفئات الاجتماعية الأميّة التي اعتنقت دينا مثقفا مرتكزا على كتاب أعظم ، وعلى لغة مقدّسة ، وتراث كتابي مقدس أيضا . لقد انتشر الإسلام والمسيحية عبر العالم أكثر من غيرهما من الأديان الكبرى ، ورسّخا هيبة الكتاب الموحى به عبر قناتين مختلفتين هما : قناة التراث المثقّف ، المكتوب ، المرتكز على معرفة اللغة المختارة من قبل اللّه : أي العربية بالنسبة للإسلام ، والإغريقية ثم اللاتينية بالنسبة للمسيحية ، وذلك قبل أن تحل اللغات الأوروبية الحديثة محل اللاتينية بقرار كنسي . أضف إلى ذلك تعليم الإيمان الأرثوذكسي من خلال المفاهيم اللاهوتية ؛ ثم قناة التداخل بين العناصر اللاهوتية المبسّطة للدين الجديد ، وبين الثقافات الشفهية الشعبية المعبّر عنها في اللهجات المحلّية . ثم جاءت العلمنة والعقل الحديث لكي يشكّلا في كل مكان وعلى كافة المستويات الثقافية والمفهومية صدعا حقيقا أو حدا فاصلا بين أولئك الذين يقبلون بالمحتوى والوظيفة الروحية للوحي ، وأولئك الذين يرفضونه باعتبار أنه باطل « علميا » أو تجريبيا « * » .

--> ( 1 ) أنظر الفصل الخاص ب « الاعتقاد » من كتاب سيصدر لنا لاحقا باللغة الانكليزية . ( 2 ) كطفل ، كنت شخصيا قد تعلّمت الإسلام ضمن هذه الظروف في تاوريرت - ميمون . وهي قرية بربرية موجودة في منطقة القبائل في الجزائر ، حيث اللغة العربية ، وعلماء الدين الذين يعرفون القراءة والكتابة ، والمكتبات ، لم تكن موجودة ، ولا تزال نادرة جدا حتى يومنا هذا . * لم يحل العقل العلمي والفلسفي الحديث محل الوحي ( أو العقل اللاهوتي ) إلّا في أوروبا والغرب بشكل عام . أما في العالم الإسلامي ، فلا تزال الأولوية للعقل اللاهوتي الديني . لما ذا ؟ لأن العلم لم يتطور عندنا حتى الآن بالشكل الكافي ، ولأننا لم نشهد الثورات الفلسفية ، والتكنولوجية ، والعقلانية التي شهدتها