محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
171
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
ب « خطوط القوة الروحية » التي تحافظ على « الموضع الديناميكي المحرّك للخيال الخلاق » « 1 » . فهذا الخيال تحرّكه الأحداث المحسوسة للحياة اليومية التي يحوّلها بدوره إلى « علامات داخلية » أو « إشارات متبادلة » ، وذلك تحت ضغط « النماذج المثالية النفسانية » ، كما حدّدها وبلورها كارل غوستاف يونغ . كان التبجيل المسيحي والمنهجية التاريخوية المتطرفة في وضعيتها قد اختزلا ، لأسباب مختلفة بالطبع ، سورة الكهف إلى مجرد تجميع أو تكرار للحكايات القديمة الواردة في التراث المسيحي . وضد هذا التوجه الاختزالي راح أويس ماسينيون يدعم الأطروحة المركزية لفكره ألا وهي : أن المحل الديناميكي للخيال الخلاق يفسّر لنا سبب ذلك الاستلهام المشترك للكتابات المقدسة بما فيها القرآن « 2 » ( التشديد على كلمة « مشترك » مني ) . إن تدخل ماسينيون لا يمكن إلّا أن يتركنا في حيرة . فهل ينبغي أن نرى فيه ميلا مسكونيا لأحد كبار الشاهدين على الروح ؟ أم أنه يمثّل فرضيات مغرية لعالم مشغوف بدين إبراهيم ؟ أم أنه يمثّل نوعا من « التماسكات المغامرة » « * » لأحد المستكشفين الجريئين لأعماق النفس البشرية ؟ أم أنه ينبغي أن نرى في موقف ماسينيون كل ذلك في آن معا ؟ مهما يكن من أمر ، فإنه ينبغي أن نضيف موضّحين ما يلي : إن ماسينيون لم يكتف بتأليف الدراسات الأكاديمية والبلورات النظرية عن هذا الموضوع ، وإنما أضاف إليها الانخراط الفعلي أو العملي . فطيلة أربعة وعشرين عاما ظلّ يحيي عبادة النوّام السبعة في قرية صغيرة تدعى فيو - مارشيه « * * » . وهي قرية واقعة على الشاطئ الشمالي من فرنسا في
--> ( 1 ) 115 . p ، . . Ibid ( 2 ) انظر تأملاتنا حول النطاق الثقافي الإغريقي - السامي في كتاب : الإسلام ، بالأمس وغدا ( بالفرنسية ) : . ff 120 . p ، 1978 ، buchet - Chastel ، paris ، demain ، hier ، LIslam : M . Arkoun * المقصود بالميل المسكوني هنا نزعة حبّ المصالحة بين الأديان . وكما قلنا فإن ماسينيون كان من كبار مؤيدي الحوار المسيحي - الإسلامي . وكلمة « مسكونية » هي الترجمة العربية للمصطلح الفرنسي . oecumenisme وهي الحركة التي ظهرت عام 1927 من أجل التقريب بين المذاهب المسيحية المتعادية على مدار التاريخ ( وبخاصة التقريب بين الكاثوليك والبروتستانت الذين شنّوا الحروب المذهبية ضد بعضهم البعض طيلة عدّة قرون ) . وقد نجحت هذه الحركة خلال الخمسين سنة الماضية في إزالة الخصومات التاريخية بين هذه المذاهب إلى درجة أنهم أصبحوا يصلّون مع بعضهم البعض أحيانا ! وماسينيون كان يريد توسيع حركة المصالحة لكي تشمل الأديان التوحيدية كلها . وهذا ما يسعى إليه أيضا عالم اللاهوت الألماني هانز كونغ Kung . Hans أما مصطلح « التماسكات المغامرة » فيقصد به أركون المشاريع الفكرية . فكل مشروع هو كلّ متماسك ويغامر من أجل المستقبل أو يراهن عليه . * * فيو - مارشيه Vieux - Marche : قرية تقع في مقاطعة بريتاني بفرنسا . وكان ماسينيون يجمع فيها سنويا بعض المسيحيين والمسلمين لكي يزوروها بسبب الاعتقاد بوجود قبور السبعة القديسين ( أو -