محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

168

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الحرفي للكلمة ثم مفصلة المعنى أو تركيبه عن طريق هذا الرسم بالذات . وهكذا نجد أن عمل المفسّر لم يفعل إلّا أن قوّى ، بفضل الإنتاجية الدلالية للخطاب القرآني ، بعض التصوّرات ، والصياغات ، والشروحات التي كانت سائدة من قبل أو مبثوثة هنا وهناك . ولكن هذه الأشياء لن تمنع القصّاصين الشعبيين ( أو الحكواتيين ) من قدح زناد قرائحهم الحماسية والاشتغال على نفس الشبكة التطريزية . لما ذا نقول ذلك ؟ لأن الثقافة الشعبية استمرت في كل النطاق الإسلامي في صياغة الحساسية والهوية الجماعية في الوقت الذي تركت نفسها لكي تقاد من قبل الثقافة الدينية العالمة ( أو الفصحى أو الرسمية ) . وهذه الثقافة الرسمية هي بدورها مصاغة لكي تلبي الحاجات الشعبية « 1 » . وفي ختام هذه الفقرة بمقدورنا أن نعلن ما يلي : لقد شكّل التفسير الإسلامي فضاء متناغما أو منسجما من التصوّر ، والإسقاط ، والتعبير اللغوي والوجود ، وذلك بمعونة خطاب وصيّ عليه هو القرآن ، وبمعونة « خطاب اجتماعي قديم » « 2 » . وهذا الأخير يظل يشكّل التراث الحيّ المعمّم على الشعوب التي مسّتها ظاهرة الكتاب الموحى به . ويبدو أن الحكاية ( أو القصة ) لعبت دورا مهيمنا في عملية تنظيم هذا الفضاء وإعادة إنتاجه أو تكراره . وباستثناء التفسيرات النحوية ، والمعجمية ، والأخلاقية - الفقهية « 3 » ، فإن الخطاب التفسيري كله يمارس دوره وكأنه حكاية متواصلة ومستمرة . إنه خطاب مدعوم من قبل منطق داخلي ، مستوعب ومكرّر من قبل السامع - القارئ . سوف نكتفي هنا بالقول بأن هذا المنطق ذاته يرتكز على ما يلي : 1 ) البنية السردية - أو التمفصل السردي - للخطاب القرآني ؛ 2 ) منطق فوق نصّي داخل الخطاب القرآني ؛ 3 ) منطق متداخل نصّيا ، وهو الذي ينظّم العلاقات بين الخطاب القرآني و « الخطاب الاجتماعي القديم » الذي كان سائدا في منطقة الشرق الأوسط ؛ 4 ) منطق الشخصيات الرمزية المثالية ( كالنبي والمصطفين من قبل اللّه ) ؛ 5 ) منطق العلاقات الكائنة بين المعاني القرآنية ، والمعاني المتغيّرة للعمل التاريخي أو الممارسة التاريخية ، أو لنقل ذلك التوتر

--> ( 1 ) منذ بدايات التوسّع الإسلامي لعب القصّاص الشعبيون دورا أساسيا في نشر العقائد والمعارف « الدينية » . وبدءا من القرنين الحادي عشر والثاني عشر ، راح المرابطون المبشّرون ، ورؤساء الزوايا الدينية يقوّون من عمل القصّاص ويدعمونه . انظر بهذا الصدد مادة « قاص » في : الموسوعة الإسلامية : Encyclopedie . ( ( Kass ) ) . s . v ، . ed e 2 ، lIslam de ( 2 ) يقول كلود ليفي - ستروس : « إن الفكر الأسطوري يبني قصوره الإيديولوجية بواسطة حصى وأنقاض خطاب اجتماعي قديم » . انظر كتابه : الفكر المتوحش : 32 . p ، 1962 ، Plon ، Paris ، sauvage Pensee . La ( 3 ) نلاحظ أنه حتى هذه التفسيرات كانت قد عرضت داخل الإطار السردي للإسناد .