محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
160
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
ما الذي نقصده بالحكاية التأطيرية ؟ إنها تعني السرد المزيّن والمنمّق أدبيا قليلا أو كثيرا ، أقصد سرد إحدى المراحل المعاشة أو المتخيّلة من حياة النبي . وهذا السرد يشكّل الإطار المكاني - الزماني لتجلّيات الظاهرة القرآنية . وكل حكاية أو قصة مسرودة تشكّل نوعا من الإخراج المسرحي الوجودي لأحد أقوال أو أعمال محمد بصفته نبيا ملهما ، أو لإحدى الآيات أو مجموعة آيات من سورة معيّنة كانت قد لفظت من قبله بصفته نبيا مرسلا . ويمثّل محمد والظاهرة القرآنية ( أو الحدث القرآني كظاهرة ) الفاعلين الأساسيين أو الأعظمين لكل حكاية تأطيرية . فهما اللذان يؤمّنان لهذه الحكاية قاعدة تاريخية محسوسة لا تمتلكها الحكايات الشعبية والإنتاج الروائي الخاضعين للتحليل البنيوي منذ فلاديمير پروپ « * » . ولكن الحكاية التأطيرية تلعب إلى حد كبير الوظيفة نفسها التي يلعبها كل خطاب سردي ، وهي الوظيفة المتمثّلة بتنظيم معطيات الفعالية البشرية من أجل فرض معناها أو معانيها . إنّ الحكاية التأطيرية التي نقلها لنا الطبري والتي أثبتناها آنفا تشكّل بمفردها وحدة سردية مستقلّة ذاتيا . وهي في الوقت ذاته تؤطر أو تحيط بجميع العبارات المتجاورة مع بعضها البعض في سورة الكهف ، عن طريق عرضها أو تقديمها كجواب شامل للّه على التحدّي الذي يمثله الطرفان المضادان لمحمد ، أي اليهود والمكّيون المؤمنون بتعددية الآلهة ( أو المشركون بحسب التعبير القرآني ) . وهما يظهران على مدار الخطاب القرآني بصفتهما فاعلين معارضين في مواجهة الفاعل المساعد « 1 » لمحمد ، أي جماعة المؤمنين . فبالإضافة إلى الحكايات الثلاث التي ترد على السؤالين الأولين اللذين طرحهما حاخامات اليهود ، هناك الآيات التي يدعم بها اللّه نبيه الذي كان يشعر بتأنيب الضمير كما تقول الآية 6 : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً . وهناك الآيتان 23 - 24 حيث كرّر عليه اللّه التعاليم المنسية ، والنسيان يؤدي إلى توقف الوحي . تقول الآيتان : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً . إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً . وهناك أيضا الإسهابات المتضادة أو الشروحات الطويلة المتضادة حيث عرضت مواقف المعارضين والأنصار والجزاء الذي سوف يطبّق عليهم يوم الحساب .
--> * الحكاية الشعبية التي حلّلها العالم الروسي فلاديمير پروپ مختلفة كليا ، وذلك على عكس الحكايات التأطيرية التي شكّلها التراث الإسلامي والتي تحتوي دائما على نواة من الصحة أو بعض العناصر التاريخية الأولية . ثم تلبّس بعدئذ وتزيّن ، أو تضخّم ويبالغ فيها . ولذلك يصفها أركون بأنها تاريخية - أسطورية . ولكن النظرية التحليلية التي اكتشفها پروپ تنطبق أيضا على تحليل قصص التراث الإسلامي . انظر : . V . 1960 ، Seuil ، Paris ، conte du Morphologie : Propp ( 1 ) هذا التضادّ الذي تمّ إيضاحه عن طريق تحليل القصة كان قد سبق التعبير عنه بواسطة المصطلحات العربية المستخدمة من قبل تراث عتيق ، أو طويل عريض . فأتباع محمد في المدينة دعوا بالأنصار ، والمضادون له من المكّيين دعوا بالأعداء .