محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
161
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
على هذا النحو تجد العبارات القرآنية بواعثها ( أو دوافعها ) الوجودية المباشرة وتكشف عن أهدافها داخل إطار الحكاية التأطيرية . وبالمقابل ، فإن هذه الحكاية التأطيرية تتلقى من هذه العبارات أو الآيات قيمة فريدة من نوعها . وهي قيمة تضعها فوق كل الحكايات الدنيوية . لما ذا ؟ لأنها أعديت من قبل التعالي « * » . وعن طريق العمل المتضافر لكلا الخطابين ، يتمفصل التاريخ البشري والتعالي الإلهي مع بعضهما البعض داخل روح السامع ( أو القارئ ) . وهذا ما يفسّر لنا سبب الهيبة الكبيرة التي يوليها المؤمنون للتفسير الإسلامي الموروث « * * » ، ثم على العكس اشتباههم بالتحليلات أو التأويلات الفكرية التي يقدّمها المحدّثون . نقول ذلك على الرغم من أنه يمكن الاعتقاد بأن التفسير القديم يحوّل النصّ التلميحي ، الإيحائي ، المجازي ، الرمزي ، إلى شيء عادي جدا . كيف ؟ عن طريق تفسيره بشكل واقعي صرف أو تحويله إلى خطاب عادي حيث تتراكم أسماء الأعلام والأشخاص والأماكن ، وحيث تكثر روايات الأحداث المهووسة بالتفاصيل الصغيرة ، وحيث يحرصون على تحديد هوية الكائنات والحالات المختلفة بما فيها الحالات فوق الطبيعية . فمثلا يرى الطبري أن تسمية « أهل الكهف » تطلق على جماعة محدّدة بعينها . يقول : « وكانوا فتية أحداثا أحرارا من أبناء أشراف الروم . وكانوا ثمانية نفر مكسلمينا وكان أكبرهم وهو الذي كلّم الملك عنهم . . . » تلي ذلك أسماء إغريقية منقولة بشكل سيّئ إلى العربية ( انظر : تفسير الطبري ، الجزء الخامس عشر ، ص 125 ) . وحتى الكهف ، والكلب ، وسكان القرية ، والملك . . . إلخ ، فقد حدّدت هوياتهم جميعا بدقة ، ووصفوا بعناية . وأما الأمثال ، والحكم ، والمجازات الواردة في القرآن ، فقد تم تسطيحها وتحويلها إلى لغة وعظية تقوية أو تهذيبية . وأما التصويرات الأخروية الواردة في القرآن ، فقد اختزلت إلى مجرد وقائع معهودة للملذات أو للعذابات . نلاحظ أن روح ثقافة بأسرها وآليّات اشتغالها تتجلى في هذه القراءة للّغة الدينية . إن الروح هي تلك التي تتطلّبها الآية التالية التي طالما تكررت في القرآن بخصوص كل
--> * بمعنى أن الحكايات التي يوردها المفسّرون لتفسير آيات القرآن أو سورة تصبح متعالية عن طريق العدوي لأنها استخدمت في تفسير الكلام المقدس أو المتعالي . وعلى هذا النحو يتقاطع الديني مع الدنيوي ، أو السماوي مع الأرضي . وهكذا يخلع التقديس على كل شيء تقريبا . ولكن هذه الحكايات التأطيرية تكشف لنا أيضا عن الهموم الأرضية أو الوجودية للكلام المتعالي ، أي للقرآن . وهكذا يتمفصل الإلهي مع التاريخي . * * بالنسبة للمسلمين المعاصرين ، فإن التفاسير القديمة تتمتع بهيبة كبرى تكاد تعادل هيبة القرآن ذاته . . . لما ذا ؟ لأنها قديمة أولا ، ولأنها صادرة عن شخصيات دينية كبيرة وقريبة من زمن الوحي . ثم لأنها مليئة بالقصص والحكايات العذبة التي يستسيغها الوعي الديني كثيرا .