محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
152
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المعتدلة التي تتجسّد من خلال بذل الجهد من أجل إضفاء المشروعية على السلطة العباسية وتسفيه موقف الأمويين والتشيّع السياسي أو المسيّس في آن معا . وهذا ما يفسّر لنا سبب إلحاحه على التوفيق بين مختلف نسخ النص القرآني ( أي القراءات ) ، ثم تفسير الآيات بعبارات تشبهها وبلغة سهلة وواضحة ، ثم حسم المسائل المختلف عليها بحذر مدروس أو محسوب . وبفضل هذه المجريات التوضيحية والتوفيقية في آن معا ، فرضت شروحات الطبري نفسها على التراث التفسيري بكل قوة وديمومة إلى حد أنها كسفت التيارات والمواقف الأخرى التي لم تكرّس في الأصل - النموذج إلّا قليلا ، أو حتى لم تكرّس على الإطلاق . وهذا التأثير المؤكّد والمسلّم به نجده حتى لدى عالم كبير كفخر الدين الرازي . فهو أيضا ألّف تفسيرا ضخما للقرآن . وتفسير الرازي يشهد على عمق ديني وثقافة علمية وفلسفية قلّ نظيرها . وهكذا يضيف إلى التفسيرات « الأرثوذكسية » لسلفه الطبري حرصه على إقامة التماسك والتوافق بين الخطاب القرآني وتعاليم العلوم الفلسفية والعلمية التي كانت تحتلّ مكانة كبيرة في الثقافة العربية في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي . وبهذا المعنى ، فإن الرازي أصبح مؤسّسا لتيار آخر في التفسير غير التي ذكرناها سابقا . وهو التيار الذي عرف منذ القرن التاسع عشر انتعاشا تحت اسم التوفيقية « 1 » . والآن دعونا نطرح هذا السؤال : كيف « قرأ » هذان المؤلّفان - أي الطبري وفخر الدين الرازي - سورة الكهف ؟ كيف فهماها وشرحاها ؟ وما هي المبادئ النظرية التي تتحكّم بتفسير كلّ منهما ، والمجريات التي اتبعاها لعرض موقفيهما ، والنتائج التي توصلا إليها ؟ المبادئ إنّ المبادئ التي سنتحدث عنها ليست مسلّمات تعسفية مفروضة من الخارج على الخطاب القرآني ، وإنما تشكّل الهيكلية المنطقية - المعنوية المسجلة داخل الصيغة اللغوية لهذا الخطاب . لا ريب في أن هذه الهيكلية تمارس فعلها كمجموعة من المسلّمات
--> - فإننا نستطيع أن نكوّن فكرة ما عن منهجية الطبري . أما شرح سورة الكهف فيجده القارئ في الجزءين الخامس عشر والسادس عشر من طبعة بولاق العتيقة التي تعود إلى عام 1905 . ( 1 ) من عبد الرحمن الكواكبي ( 1849 - 1902 ) إلى معاصرنا الدكتور مصطفى محمود نجد أن لائحة الكتّاب العرب أو المسلمين طويلة جدا . أقصد لائحة الكتّاب الذين « يبرهنون » على أن الاكتشافات العلمية الحديثة موجودة كلها في القرآن ! ومؤخرا حظي طبيب فرنسي بنجاح كبير في المكتبات عندما لعب على هذا الوتر الحسّاس جدا لدى الجمهور المسلم . انظر كتابه : التوراة والإنجيل والقرآن والعلم : . 1976 ، Seghers ، Paris ، science la et Coran le ، Bible La : M . Busaille