محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

144

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

والأرسطوطاليسية ، كلما حوّل إلى تناقض صلب أو متصلّب ، وإلى معاني مرتكزة على براهين ، ما كان قد ظهر في القرآن على هيئة مجموعة من الملامح ، والإثارات ، والقصص ، والمقاربات ، والتوترات ، والمتضادات ، والنداءات ، والتذكيرات . . . إلخ . والقرآن يهدف عن طريق هذه الأشياء إلى تأجيج الإحساس بالخطيئة والذنب ، ولكن ليس إلى تحديد هذا الإحساس أو تثبيته . وهكذا نجد أنه من المغري أن نجد في التضاد المذكور سابقا بين الذين أنعمت عليهم / والمغضوب عليهم تمييزا حاصلا منذ الأزل ولا حيلة لنا فيه . وأقصد بذلك قضاء اللّه وقدره الذي يقدّر جزءا من البشر للخير ، وجزءا آخر للشرّ . ولكن الصلاة المرفوعة إلى اللّه أو الابتهال لن يكون له أي معنى إذا لم يكن هناك أمل للمبتهل في أن يكون من عداد الأخيار ، أو خوف من أن يرمى مع الملعونين والأشرار . وعن هذا التوتر الكائن بين الأمل والخوف يتولّد الإحساس بالذنب ، وعن طريقة يتبلور أكثر فأكثر . وبالتالي ، فإن القائل ( أو المتكلم ) محال إلى شرطه الخاص ككائن منخرط في وجود مصنوع من الخير والشرّ . وهو يعي بأن النهاية غير مؤكّدة أو غير مضمونة ، وأنها تعتمد على هيبة عليا تحكم ، فإما أن ترضى على الشخص أو تدينه بشكل لا مرجوع عنه . إذا كان هذا هو معنى النصّ الذي يهمنا هنا ، أو إذا كانت هذه هي أبعاده ، فإنه ينفتح أمامنا خطان طويلان من البحث : 1 - إنّ اللغة القرآنية التي توصلت بسرعة إلى مستوى عال من التعبير الرمزي ، تتيح لنا أن نسهم في بلورة نظرية للّغة الرمزية بالعلاقة مع سياق الفكر المثالي أو المجازي الذي ظهرت فيه ، ومع سياق الفكر العلمي الحالي الذي يعيد الآن اكتشاف اللّغة الرمزية . 2 - لما ذا ، وكيف حوّر المفسّرون التقليديون ، بمجملهم ، هذه اللّغة الرمزية ؟ فإما أنهم حطّوا من قدرها وأنزلوها إلى مستوى خطاب النسق المقنّن ووظائفه ، وإما أنهم حوّلوها إلى خطاب غنوصي أو باطني . نأمل أن نجيب لاحقا عن هذين السؤالين عن طريق تعميق الإشكالية والمنهجية النقدية اللتين وظّفناهما في هذه الدراسة الأولى ، وعن طريق توسيعهما من دون توقف أيضا .