محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

145

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

- 4 - قراءة سورة الكهف وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [ سورة الإسراء ، الآية 45 ] . وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ سورة الأعراف ، الآية 204 ] . « اللغة هي أولا تصنيف أو تقسيم إلى أنواع وأصناف . إنها خلق للأشياء وللعلاقات بين الأشياء » de Problemes : E . Benveniste . 83 . p ، I tome ، generale linguistique « إنّ الفعالية العلمية ليست عبارة عن تجميع أعمى - أو تراكم أعمى - للحقائق . فالعلم ، في جوهره ، انتقائي ويبحث عن الحقائق الأكثر أهمية إمّا بسبب قيمتها الذاتية الأزلية ، وإما بسبب أنها تشكّل أدوات لمواجهة العالم » de Methodes : O . Quine W . Van . 11 . p ، logique إنّ هذه الاستشهادات الأربعة تحدّد بكل دقة معنى دراستنا ، وكذلك المبادئ الإستمولوجية الضرورية لإنجازها . فالآية الأولى تتحدث عن « حجاب مستور » - وبالتالي عن فصل - بين النبي الذي يتلو التبشير ( أو الكلام الموحى ) وأولئك الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ . أما الآية الثانية فتعلّمنا أن القرآن متلو تلاوة ( وليس قراءة صامتة ) ، وأنه ينبغي أن « نستمع له وننصت » بكل اهتمام وصمت . إنّ الأبعاد الدينية لهذه التوضيحات لا تهمّنا هنا . وإنما يهمّنا أن نلفت الانتباه منذ البداية إلى العمليات الاعتباطية الناتجة عن كل قرار يتّخذ بقراءة عادية لعبارة لغوية تقدّم نفسها صراحة بصفتها كلاما موجّها لكي تصغي إليه جماعة متجمعة في ظروف خارجية معيّنة واستعدادات داخلية محدّدة بكل دقة . ولكن سواء أكان الأمر يتعلق بقراءة كلام شفهي أم نصّ مكتوب ، فإنه يتوجب علينا ، في كل الحالات ، أن نتلقّى لغة ما ، أي أن نفك رموز « تصنيف ما ، وخلق للأشياء