محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

143

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

- إيّاك نعبد : يحيلنا إلى الطقوس والشعائر . - اهدنا الصراط المستقيم : يحيلنا إلى علم الأخلاق . - الذين أنعمت عليهم : يحيلنا إلى علم النبوّة . - غير المغضوب عليهم : يحيلنا إلى التاريخ الروحي للبشرية : موضوعات رمزانية الشرّ المعالجة في القصص المتعلقة بالشعوب أو الأقوام القديمة ( وهي الشعوب التي عصت أنبياءها فعاقبها اللّه على ذلك ) . وهكذا نرى كيف أن كليّة المعرفة الإسلامية متمركزة أو متكثفة في بعض التعابير البسيطة . ولكن ربما قال بعضهم : لقد أسقط المفسّرون القدامى على نصّ الفاتحة ، وبعد فوات الأوان ، معرفة معيّنة وممارسة معرفية كانتا قد رسّختا من قبل أجيال عديدة متلاحقة . ولكن هذا « الاعتراض » لا يفعل إلّا أن يقوّي البعد الأنتربولوجي الذي نريد الإشارة إليه أو التركيز عليه « * » . فالواقع أن مفردات الفاتحة وبناها النحوية عامة جدا ، ومنفتحة جدا على كافة ممكنات المعنى ، إلى درجة أنهما تمارسان دورهما كحقل رمزي تنبثق منه وتسقط عليه مختلف أنواع التحديدات والمعاني . ولكن لا توجد أي معرفة ولا أي نظام معرفي يمكنه أن يستنفد معناها أو أن يثبّته نهائيا . وهكذا نجد أننا حتى اليوم يمكننا أن نسجّل في مواجهة كل علم من العلوم المشكّلة من قبل المسلمين برامج بحوث متعددة الاختصاصات والعلوم . وهذا يعني أننا إذا ما أعدنا قراءة نص الفاتحة أو جدّدناه كما فعلنا آنفا ، فإن ذلك يجبرنا على إعادة العلاقة مع الأسئلة الأصلية أو البدئية . وسوف نعيدها في ما وراء ( أو في ما فوق ) التعاليم التي كان التراث الإسلامي عبر القرون قد اعتقد بضرورة فرضها بصفتها تحديدات أرثوذكسية ومقدّسة للحقيقة الموحى بها . لننظر ، على سبيل المثال ، إلى ذلك التعارض الكائن بين الذين أنعمت عليهم / غير المغضوب عليهم . . . كان التفسير التقليدي قد اعتمد على المقولات اللاهوتية والميتافيزيقية والأخلاقية والنفسانية والمنطقية لكي يشكّل نمطين متضادين من أنماط الإنسان أو الإنسانية . أما النمط الأول فيخصّ الإنسان الكامل ( كالنبي ، أو الحكيم ، أو الإمام ، أو الأولياء الصالحين ) . وهذا النمط يتمتع بفضل اللّه وعنايته . وأما النمط الثاني فيخصّ الإنسان المكرّس للشرّ ، والضلال ، والذي هو عرضة للغضب واللعنة الإلهية . وكلما استسلم التفسير الموروث للمقولات والقوالب الثنوية ، والأفلاطونية المحدثة ،

--> * المقصود بالبعد الأنتربولوجي البعد الإنساني العام ، أي الذي ينطبق على الإنسان في كل الأزمنة وفي مختلف المجتمعات الإنسانية . فمسألة الحياة ، والموت ، وما بعد الموت ، كلها أشياء تخصّ البشر أو تؤرقهم في أي مجتمع وجدوا ، وفي أي عصر عاشوا . بالطبع ، إنهم يقدمون أجوبة مختلفة على هذه التساؤلات بحسب الثقافة المتوافرة في المجتمع ، وبحسب التراث الديني السائد . ولكن الأسئلة تظل هي هي لأنها أسئلة كونية ، أي أنتربولوجية خاصة بالإنسان في كل زمان ومكان .