محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
142
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الجامحة والهواجس الفضفاضة للمفسّرين الصوفيين والباطنيين . وإنما يعني ذلك بكل بساطة الاعتراف بإحدى الوظائف الأساسية للّغة . وهذه الوظيفة كانت قد طمست أو عطّلت طيلة قرون عديدة من قبل الممارسة العقلانية المركزية المغلقة على ذاتها . وهذه الممارسة حبّذت انتشار الخيالات الشعبية في الوقت الذي احتقرتها وسفّهتها . إنّ التفسير الرمزي للغة الدينية يتيح لنا أن نكتشف إحدى السمات الخصوصية أو الخاصة بالفكر الأسطوري ( أو المجازي الخيالي ) . فاللغة الدينية بالنسبة لهذا الفكر هي عبارة عن قوة تحقيقية أو تنفيذية . كان التحليل الألسني السابق قد قادنا للتحدث عن لغة أدائية أو تحقيقية ، بمعنى أنّي أحقّق ما أقول ، وقولي يؤدّي إلى التحقيق الفعلي لوجودي . لا أستطيع أن أتخلّص من رمزانية الخير والشرّ المعبّر عنها في الكلمات التالية : إيّاك نعبد . . . صراط مستقيم ، أنعمت / مغضوب عليهم ، ضالّين . ولا أستطيع أن أتخلّص من مسألة الكينونة المدشّنة من قبل كلمات من قبيل : اللّه ، رب العالمين . ولا أستطيع أن أتخلّص ( أو أن أنجو ) من ذروتي الزمن والموت المثارتين ضمنيا وكأنهما عبور أو ممر . لا أستطيع أن أتجاهل كل ذلك إلّا إذا حصرت نفسي بقراءة فيلولوجية للفاتحة . الفيلولوجيا تتفنّن في معاملة كل كلمة وكأنها علامة خطّية أو مكتوبة ، وتعتقد بإمكانية تثبيت معناها عن طريق الإيتيمولوجيا ( علم أصول الكلمات ) ، وعن طريق المعطيات التاريخية والاجتماعية والثقافية . وهكذا تقول لنا الفيلولوجيا مثلا بأن كلمة اللّه ليست إلّا تفريدا أو تمييزا عن طريق كلمة إله . وهكذا تعامل بالطريقة نفسها كل الصفات المذكورة في القرآن لكي نعارض المفهوم القرآني « اللّه » بالآلهة التي كانت سائدة قبل الإسلام . إذا ما اقتصرنا على نص الفاتحة ، فإنه لمن السهل أن نلحظ بأن أيا من هذه الكلمات ليس مرتبطا بعائد محدد أو معروف بدقة . على العكس ، فإن كل واحدة منها تحيلنا إلى ذروة أو عدّة ذرى مذكورة آنفا . كان القدماء قد لاحظوا تماما هذا الانفتاح الذي تتمتع به هذه الكلمات والتعابير على الذرى الواسعة جدا ، وذلك عندما أشاروا قائلين : - الحمد للّه . . . الرحيم : هذا التعبير يحيلنا إلى علم الأصول الأنطولوجية « * » والمنهجية للمعرفة ( يدعى علم الأصول في اللغة الإسلامية الكلاسيكية ) . - مالك يوم الدين : يحيلنا إلى علم الأخرويات ( أي مجموع العقائد المتعلّقة بالعالم الآخر كالبعث والحساب ) .
--> * الأنطولوجيا : ontologie كلمة تعني علم الكينونة أو الوجود . ولكنها تعني أيضا المبادئ الأولى والتأسيسية التي لا مبادئ بعدها ، أو قبلها . والقرآن بالنسبة للوعي الإسلامي هو وحده الذي يحتوي على هذه المبادئ الأولية . ولذا فإن علم أصول الدين وعلم أصول الفقه تشكّلا من خلال استخراج الأحكام منه وبالاعتماد عليه . وبالتالي فنظرية المعرفة في الإسلام هي قرآنية أساسا .