محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

141

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

المستخدمة في ما يخصّ المسيحية أو المبلورة من أجلها . إنّ الحالة التي تعرّض لها الإسلام من قبل الفكر اليهودي - المسيحي وذلك منذ نهاية الهيمنة السياسية للخلافة الإسلامية بشكل خاص ، تجبرنا على أن نعيد التفكير بشروط تشكيل الأنتربولوجيا الدينية « * » وكيفية تحديد مهامها وأهدافها . وإعادة التفكير هذه ينبغي أن تتمّ على أسس أكثر علمية ، أو إذا شئنا ، على أسس أقلّ ما تكون إيديولوجية . وعليه ، سوف نطرح مثلا السؤال التالي : في ما وراء الخصوصيات الدوغمائية ، والشعائرية ، والثقافية ، واللغوية . . . إلخ . هل يحتوي نصّنا ، وبشكل عام النصّ الكامل الذي يشكّل جزءا منه ، على مرجعيات بدئية أو أصلية بشكل كامل ؟ وإذا كان الجواب نعم ، فكيف يعبّر هذا الأصل البدئي عن نفسه ؟ ما هي روابطه وعلاقاته ، أو ما هي فراداته بالقياس إلى الأصل البدئي المعبّر عنه في النصوص الدينية الكبرى الأخرى ( وأضيف : في النصوص الشعرية ) ؟ إن الفاتحة تقدّم لنا الفرصة السانحة لكي نطرح مثل هذا السؤال ، ولكن لا تقدّم لنا المادة الكافية للإجابة عليه . بالأصل البدئي نحن نقصد الذرى القصوى للوجود البشري مثل : الحياة ، والموت ، والزمن ، والحب ، والقيمة ، والامتلاك ، والسلطة ، والمقدس ، والعنف . وهذه الذرى تتداخل في ما بينها ، وتحيلنا كلها إلى مسألة الكينونة أو الوجود . وفيها يتولّد المعنى ، ويتشكّل ، وينبني ، وينهدم ، ويستحيل أو يتبدل ، ويتقلّص ، ويتسع ، وتتجمع أوصاله المتبعثرة أو يتوحد . . . إلخ . إن تحوّلات المعنى هذه تشكّل العديد من المعاني أو كما مماثلا من المعاني . ولا يمكن التوصل إلى الأصلي البدئي إلّا عن طريق الإيحاء ، إيحاء اللغة الرمزية . ولا يمكن التعبير عنه مرة واحدة وإلى الأبد عن طريق اللغة الحرفية والمنطقية . أن نقول اليوم بأن اللغة القرآنية رمزية أكثر مما هي حرفية أو منطقية ، فهذا لا يعني إنكار أو جحود كل التفسير التقليدي الموروث ( وبخاصة السنّي ) . ومن المعلوم أن هذا التفسير استمات في البحث عن التحديدات الواقعية المقصودة بلغة القرآن . وكذلك استنفد جهده في إيجاد البراهين الدقيقة التي تبرهن على صحة كل ما ورد في القرآن . وأن نقول هذا الكلام لا يعني أننا نتحمّل مسؤولية جميع التركيبات المجازية أو الرمزية ، وتلك الأحلام

--> * يقصد أركون بالأنتربولوجيا الدينية دراسة جميع التراثات الدينية بنفس الطريقة وتطبيق نفس المنهجية عليها . بمعنى آخر : ينبغي أن نطبّق المنهجية الحديثة ليس فقط على التراث اليهودي - المسيحي وإنما أيضا على التراث الإسلامي لكي نعرف مدى صلاحية هذه المنهجية أو عدم صلاحيتها . فتطبيق المنهجية الحديثة على تراث آخر غير التراث الأوروبي يعطيها فرصة إضافية لامتحان نفسها بشكل أكثر ومعرفة مدى فعاليتها أو عدم فعاليتها ، بل وينبغي تطبيق المنهجية ذاتها على جميع التراثات الدينية الأخرى غير التوحيدية . وعندئذ نفهم الإنسان بشكل أفضل من خلال دراسة كيفية تعلّقة بظاهرة التقديس .