محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

140

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

كثيرة ، إلّا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدنيا ، ونعم الدين . ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا لوجوه . كثيرة . وقولنا الحمد للّه كلمة جليلة شريفة فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها في مقابلة نعم الدنيا . بل يجب أن لا يذكرها إلّا عند الفوز بنعم الدين . ثم نعم الدين قسمان : أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب . والقسم الثاني أشرف . ثم نعم الدنيا قسمان : تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم ، وتارة تعتبر من حيث إنها عطية المنعم . والقسم الثاني أشرف . فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا الحمد للّه موافقا لموضعه لائقا لسببه » ( ص 119 ) . من السهل أن نكتشف في هذا المقطع بعض نقاط انطلاق أنساق المعنى وأماكنه . Topoi وسوف نترك للقارئ حرية القيام بذلك لئلا نثقل دراستنا أكثر مما يجب . فيجب أن نلاحظ المكانة اللغوية لهذه النادرة والدور الذي تلعبه في إسباغ الروح على الخطاب ، وذلك على عكس الخطاب البرهاني الاستدلالي الذي يعتمد على المفاهيم المنطقية والمحاجّات العقلانية . اللحظة الأنتربولوجية : لم تنجح المقاربة الأنتربولوجية في فرض نفسها حتى الآن على الأديان التوحيدية . وسبب ذلك إيديولوجي واضح جدا . فالبحث العلمي منذ قرنين من الزمن كان امتيازا محصورا بالغرب . ومعلوم أن الغرب اهتمّ بالأديان غير المسيحية ضمن المنظور الإثنوغرافي . وقد استطاع هذا المنظور مع نظرية العقلية البدائية أولا ، ثم مع النظرية الفينومينولوجية الحيادية ظاهريا ثانيا ، ثم أخيرا مع نظرية التشريح البنيوية أن يبرز تفوّق الديانة اليهودية - المسيحية وخصوصيتها . ولا يزالون حتى اليوم يستخدمون علم الألسنيات ، والتحليل النفسي ، وتاريخ الأديان . . . إلخ ، من أجل إعادة التفكير ( أو تجديد التفكير ) في الحقيقة المطلقة أو العليا للعقيدة اليهودية - المسيحية . ويستخدمون لتحقيق هذه الغاية تبحّرا علميا واسعا وخصوبة منهجية ضخمة . ولا يزال الإسلام منبوذا أو مستبعدا من هذا المشروع العلمي والفكري الكبير . وهذا الاستبعاد هو الذي يسمح لنا بأن نستنكر أو حتى ندين التوجّه الإيديولوجي لما يمارس في الغرب تحت اسم العلوم الدينية « 1 » . بالطبع ، إننا نريد أن نستخلص الدرس من هذه الحالة لكيلا نستسلم للإغراء التالي : أن نستعيد بأي ثمن حقيقة إسلامية عليا أو مطلقة ، وذلك بمساعدة المناهج والمسلّمات

--> ( 1 ) انظر : التنبيهات والملاحظات المرنة التي أوردها الباحث م . ميسلان في كتابه : من أجل علم جديد للأديان ، 1973 ، Seuil ، Paris ، religions des science nouvelle une pour : . M . Meslin ولكن المؤلّف على الرغم من ذلك لا يحيل أبدا إلى المثال الإسلامي ، أقصد لا يذكره كمثال من جملة أمثلة أخرى .