محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
137
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
يمكن أن يقوم به شخص واحد ، وإنما فريق كامل من فرق البحوث . ولكي ندشّن هذا البحث أو التحرّي الواسع ، فإننا اخترنا ذلك التفسير الكبير لفخر الدين الرازي « * » ( ت 606 ه / 1209 م ) . فهو يقدّم لنا امتيازات استراتيجية واضحة إذا ما اعتمدناه كنقطة انطلاق . كان هذا المفكّر يتمتع بقدرة هائلة على بلورة التوليفات أو التركيبات أو المحصّلات الجامعة . وكان أيضا يتمتع ببصيرة نادرة ونافذة . وقد جمع في تفسيره أهم ما أنتجه الجهد التفسيري خلال القرون الهجرية الستة الأولى السابقة له . لكي نوضح للقارئ مدى ضخامة الجهد الذي بذله هذا المفسّر يكفي أن نقول بأنه خصّص للآية الأولى من سورة الفاتحة 37 صفحة مكثّفة وكبيرة من صفحات طبعة القاهرة . أما مجمل سورة الفاتحة فقد استغرق منه 99 صفحة ! . . . إنّ هذا النصّ الثاني الذي يلتقط ويجمع بين حناياه تراثا تفسيريا غنيّا وطويلا ينبغي أن يقرأ لذاته وبذاته بصفته كليّانية شغّالة . ونزمع أن نقدّم عنه طبعة محقّقة مصحوبة بقراءة تهدف للإجابة عن السؤالين المطروحين سابقا . ولكننا سوف نكتفي هنا بتعداد المبادئ التي ستوجّه قراءتنا . والهدف من كل ذلك هو أن نقيس حجم المطابقة بين النصّ الأول ( أو النص الوصيّ ، النصّ المؤسّس ) ، وبين النصّ الثاني ( نصّ التفسير ، هو هنا نصّ الرازي ) . ومن ثم سنبحث عن مختلف الشيفرات ( أو القوانين ) التي تتحكّم بقراءة الرازي أو بتفسيره . وقد أتاحت لنا القراءة الأولى لنصّه أن نستكشف القوانين التالية : النسق اللغوي ( أو الشيفرة اللغوية ) « * * » : نحن نذكر هذا القانون قبل غيره لأن الرازي ، وجميع الأصوليين بشكل عام ، يبتدئون مؤلّفاتهم بمقدمات لغوية مسهبة وغزيرة . ولا ريب في أن هذه المقدمات تشكّل الجزء الأكثر صلابة ، أو على أي حال ، الأكثر حضورا من مؤلّفات التفسير والأصول ( أصول الدين ، وأصول الفقه ) . والمقصود بالأكثر حضورا أنها لم تبطل حتى الآن على العكس من
--> * المعروف أيضا ب مفاتيح الغيب . يقول المستشرق روجيه أرنالديز في الموسوعة الكونية الفرنسية ما يلي : « إنّ تفسير فخر الدين الرازي يبيّن لنا حجم المعارف النحوية والفقهية ، واللاهوتية ( الكلامية ) والفلسفية ، والصوفية ، والعلمية التي حصّلها . هذا بالإضافة إلى معرفته الواسعة بالحديث النبوي . وهذا ما يجعل من تفسيره موسوعة حقيقة تضم جميع المعارف التي كانت متوافرة في عصره » . انظر : : R . Arnaldez . 709 . p ، 1997 ، Paris ، Civilisation et lIslam . Religion de Dictionnaire * * ترددت كثيرا في ترجمة كلمة Code الفرنسية . فأحيانا أقول « القانون » ، وأحيانا أقول « النسق » ، وأحيانا أقول « الشيفرة » . والمعنى واحد في نهاية المطاف . في الواقع ، إن الكلمة تعني « المدونة » : أي مجموعة قوانين . كما وتعني « الدستور » : أي مجموعة مبادئ أو قواعد . وتعني الشيفرة أو النظام الشيفري .