محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
138
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
مضامين هذه الكتب . وهنا بالضبط يمكننا أن نرى بأم أعيننا البلورة العربية المحضة للفكر الإسلامي . فمفهوم القانون ( أو الشيفرة ) يتيح لنا أن نفرز المعطيات اللغوية المختلطة غالبا بالآراء المختلفة أو المتعددة للتفسير . نقول ذلك ونحن نعلم أن الخلط بين المستويات يصبح خطرا جدا ما إن تتدخل نظرية الإعجاز . النسق الديني ( أو الشيفرة الدينية ) : وهو مشكّل من مجمل المبادئ اللاهوتية ، والعقائد الإيمانية ، والطقوس والشعائر التي تتحكّم بالفكر ، وبالتالي بالخطاب ، وتوجهه في وجهة معيّنة . ومن المهمّ أن نميّز هنا بين مجال التقديس المشمول بهذا النسق ، وبين المجالات التي سنتحدث عنها تحت اسم النسق الرمزي ، والنسق الثقافي ، والنسق التأويلي الباطني . فالشيء المهم هنا هو أن نبيّن كيف أن الدين كان يلحق بذاته ( في خطاب المفسّرين ) كل محلّات المعنى والدلالة . Topoi النسق الرمزي ( أو الشيفرة الرمزية ) : إنّ توسّع مجال الخيال أو المخيال انطلاقا من النصّ القرآني لم يحظ حتى الآن باهتمام علماء الإسلاميات المعاصرين . في الواقع ، إنّ القرآن يحفّز على الفكر كما يحفّز على الخيال . ولكن للأسف ، فإن عمل الخيال كان قد سفّه في الإسلام ، كما في اليونان الكلاسيكية ، وكما في الغرب ، عن طريق العقل المعقلن . ومع ذلك فنحن نعلم أن النخبة تشاطر الجماهير حب الذكريات الأخروية ، والمقاربات والتفسيرات الرمزية ، والحدوسات والتنسيقات التي تنقل الروح إلى عالم من الرموز الشديدة القوة والكثافة . وإن تفسير الرازي الذي يفسح المجال أولا للعقل المهيمن لدى الفلاسفة ، يتيح على الرغم من ذلك أن نتتبّع إلى حد بعيد الخط الرمزي بما فيه الكفاية . النسق الثقافي ( أو الشيفرة الثقافية ) : إنّ هذا النسق غني جدا لدى الرازي . فهو يجمع بين دفّتي كتابه خلاصة العلم العربي لكي يصل إلى المعنى بكل الوسائل الممكنة ( أو المتاحة ) في زمنه . ولكنه يوجّه هذه الوسائل باتجاه يخدم مصلحة المذهب الديني الذي ينتمي إليه ، وبالتالي يخدم سياسة هذا المذهب « * » . وبالتالي ، ينبغي الكشف عن جميع مستويات ولحظات خطابه ، أي المستويات
--> * فخر الدين الرازي ( 1149 - 1209 م ) . ولد في الريّ وتلقّى فيها علومه الأولى . ثم سافر في الأمصار حتى وصل إلى الهند . وفي كل مدينة مرّ بها كان يخوض مجادلات عنيفة مع المعتزلة ومع اتباع المذاهب الفقهية والكلامية الأخرى . كان أشعريا مقتنعا بأشعريته ، وإن كان متأثرا بعمق بفكر ابن سينا . وو قد اتخذ مواقف متوسطة بين الفلاسفة الذين يتبعون ابن سينا ، وبين الغزالي الذي هاجمهم بعنف شديد . وكانت مواقفه بين كلا الطرفين بارعة جدا وتشكّل توليفة حقيقة . يقول روجيه أرنالديز إن فخر الدين الرازي -