محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

128

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الضمائر في سورة الفاتحة : إنها تمثّل صنفا آخر من أصناف المحدّدات التي تتيح متابعة تدخل المتكلّم . وتحليلها يمثّل إحدى اللحظات الحاسمة لقراءتنا ، وذلك لأنه سيجبرنا على معالجة تلك المسألة الحسّاسة جدا والخاصة بمؤلّف النصّ . نلاحظ أولا وجود ضمير زائد خاص بالشخص الثاني المفرد ( أو ضمير المخاطب في صيغة المفرد ) . وهو مستخدم مرتين مع أداة الفصل إيّا للدلالة على من تتوجّه إليه العبادة ( نعبد ) ، ومن نطلب منه المعونة ( نستعين ) : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 1 ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 3 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 4 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 5 ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 6 ) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 7 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . لم يتفق الفقهاء والمفسّرون القدامى على دمج الآية الأولى في سورة الفاتحة أو استبعادها . ولا نريد هنا أن نتخذ موقفا من هذه المناقشة التي تتجاوز الحالة الخاصة لسورة الفاتحة . ولكن فقط نريد أن نلاحظ أن هذه الآية تتكرر في بداية كل سورة من سور القرآن ما عدا سورة التوبة . وهذه الآية عبارة عن صيغة تشفّعية أو استرضائية وتشكّل بحد ذاتها نصّا قصيرا تمكن قراءته لوحده . وسوف نرى أن التحليل الألسني سيدعم بالأحرى موقف أولئك الذين كانوا ضد دمج الآية في الفاتحة . . والمرسل إليه المقصود هنا هو ال - لاه ( اللّه ) . ويعود هذا الأخير بصفته فاعلا نحويا في أنعمت ، واهدنا . أما المتضادة الثنائية : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ - 5 - 7 - إن قراءتنا سوف تعتمد على النصّ العربي وليس على الترجمة الفرنسية . وذلك لأننا نريد أن نبيّن كيفية حصول البلورة البطيئة لهذه الترجمة . كما نريد أن نبيّن المسافة الكائنة بالضرورة بين كل نصّ وترجمته ، أي عندما ننتقل من لغة إلى لغة أخرى . ملاحظات : ، فإنها تبيّن لنا أن الفاعل النحوي مصرّح به في الحالة الأولى عن طريق ضمير المخاطب ( ت ) المستخدم في أنعمت . فهو المعترف به كفاعل للأفضال أو النعم الممنوحة لبعض المخلوقين . أمّا في الحالة الثانية ، فعلى العكس نلاحظ أن الفاعل النحوي المفروض من قبل السياق لا يمكن أن يكون إلا ال - لاه ( اللّه ) أيضا . ولكنه مضمر في هذه الحالة وليس مصرّحا به . بل وإنه من الناحية القواعدية مجهول . وتركيبة العبارة على صيغة المجهول يعادل الذين غضب عليهم . سوف

--> - العدد لا يتجاوز العشرين كلمة في اللغة العربية كلها ، وكلها من أصل أجنبي . ومعظمها مستعار من اللغة الآرامية عن طريق السريانية . ومن الغريب والمدهش أن نلاحظ أن كلمة عالم متكررة في القرآن 73 مرة . وهي دائما تتكرر في حالة الجمع . ولكن الأكثر ادهاشا هو أن الجمع ليس عوالم كما هو متوقع ، وإنما عالمين ، أي دائما بحالة مائلة أو منحرفة . وهذا دليل مؤكد على استعارتها عن طريق اللغة السريانية . ولكي نفهم جيدا معنى هذه الكلمة في اللغة العربية ، فإنه ينبغي علينا إذن أن نذكّر بمعانيها المختلفة في اللغة السريانية . في هذه اللغة نجد أن كلمة عولم وجمعها عولمين تعني أولا : « قرن ، أبدية ، عصر » ، ثم عن طريق الامتداد والبسط تعني : « القرن الحاضر » ، أي « العالم » ، « البشر » . وهذه الكلمة تقابل تماما الكلمة الإغريقية « آيون » alon والكلمة اللاتينية . saeculum وكلتاهما تعنيان : « زمن ، أبدية ، قرن » ، ولكن تعنيان أيضا : « عصر ، جيل ، عالم » . ويبدو أن كلمة عالمين الواردة في آيات عديدة من القرآن قد اتخذت معنى « أجيال البشر » . ففي هذه الآيات يقول القرآن بأن اللّه قد اختار فردا أو شعبا يعتبر قدوة لجميع البشر الآخرين ، أو أنه يعامل شخصا ما كما لم يعامل أي إنسان آخر ، أو أن شخصا تصرف بطريقة تختلف عن جميع البشر . انظر أيضا اللغة الأثيوبية ، فكلمة عالم ، جمع : عالمات . وهي تعني : « عصر ، قرن ، أبدية ، إنسان ينتمي لعصر ما ، عالم » ) ) [ انتهى كلام جيرار تروبو ] . نلاحظ أن جيرار تروبو لا يذكر تعبير : « رب العالمين » . ودلالات هذا التعبير يمكن أن تكون زمنية ( أبدية ، عصر ، قرن ) ، وفضائية أو مكانية ( العوالم ، الكون ) ، وأنطولوجية ( الكائنات ، البشر ) . إنه رب كل شيء ؛ إنه رب العالمين . لنلاحظ أيضا أن الحقل المعنوي لكلمة « عالمين » الواردة في القرآن أكثر تعقيدا من ذلك الذي توحي به الإيتيمولوجيا ( علم أصول الكلمات ) والسياقات المباشرة .