محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
129
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
نرى فيما بعد ما هي الدروس التي يمكن أن نستخلصها من هذا التضاد . وأمّا الضمير الآخر المصرّح به فهو : نحن الموجودة في نعبد ، نستعين ، اهدنا . إنّ « نحن » تعبّر عن « لا - أنا » ضمنية وضرورية مصحوبة بقيمتين : أنا وأنت ، أنا وهم . ولكن بما أن النحن مرتبطة أولا ب أنت في نصّنا ، فإن قيمتها المعنوية لا يمكن أن تكون إلّا أنت وهم . والمقصود ب « هم » هنا جميع القائلين أو المتكلّمين الحاضرين أثناء التلاوة الطقسية أو الشعائرية . ولكنها أيضا تعني جميع المتكلّمين المحتملين أو الممكنين الذين عندما يقولون النصّ ( أو عندما يلفظونه ) لا يمكنهم أن يفلتوا من القيم اللغوية الملازمة أو المحايثة ، هذه القيم التي نحاول استخلاصها الآن . ولكن قبل أن نتقدم أكثر في دراسة السمات الخصوصية لهذه اللغة الأدائية أو التحقيقية ، لنحاول أولا أن نكمل تحليل المشاكل التي تطرحها الضمائر علينا . لنحاول أن نستنفدها . ينبغي أن نعلم أنه لا توجد في النصّ أية علامة قواعدية دالّة على هوية المؤلّف . فالارتباط الثنائي بين « أنت / نحن » ، والذي كنا قد أشرنا إليه للتوّ ، يتيح لنا أن نتحدث عن « أنا » متكلمة متغيّرة وعن مرسل إليه وحيد ، ومحدّد تماما . ولكننا نعلم في ما يخصّ بقية النص القرآني أن العلامة اللغوية الدالّة على المؤلّف تظهر غالبا . إنها تتمثّل في فعل الأمر : قل . أو قد تتمثّل في أنا قواعدية وفاعلة للقرارات والأفعال الخاصة بالأوامر . . . إلخ في أن معا . وهي تظهر في صيغة إنّا : أي « نحن » الدالّة على الجلالة والعظمة المطلقة . وهذه النحن هي التي تظهر في الفاتحة بصفتها العامل المرسل - المرسل إليه . إننا لا ندخل هنا هذا المفهوم الصعب ( مفهوم العامل « * » ) إلّا لأنه يبدو لنا الأكثر قدرة على شرح آليّة الاشتغال النحوية والمعنوية لنصّنا . فلو أننا حصرنا أنفسنا بالمفهوم الكلاسيكي ( للذات ، أو الفاعل ) لما استطعنا تحليل هذا التعبير المركزي الحمد للّه بكل الدقة والصرامة المطلوبة . من الناحية النحوية أو التركيبية نمتلك هنا جملة اسمية ، أي تركيبا لغويا مشكلا من عنصرين : مبتدأ وخبر . يوجد هنا عمل معروض وكأنه موجّه إلى اللّه خارج كل إشارة إلى متكلم معيّن أو إلى زمن محدّد . فاللّه إذن هو المرسل إليه المستمر ، أقصد يرسلون إليه عملا ( هو الحمد ) . وهذا العمل له بالضرورة فاعل - مرسل . ولكن لا ينبغي الخلط بين هذا الفاعل - المرسل وبين القائل أو المتكلّم . لما ذا ؟ لأني أستطيع أن أقول « الحمد للّه » على سبيل المثال النحوي ، ليس إلّا . ولكن إذا ما انتقلنا من الصعيد النحوي التركيبي إلى الصعيد
--> * مفهوم العامل هو المصطلح الألسني الذي يقابل مصطلح actant في اللغة الفرنسية . وهو يعني الفاعل في الواقع ولكن بمعنى يتجاوز المعنى النحوي . ففي كل سرد لغوي أو حكاية يوجد : فاعل ، وموضوع ، ومرسل ، ومرسل إليه ، ومعارض للبطل ( أو للفاعل ) ، ومساعد ( أو نصير ) له .