محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

127

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

لمحت أو أدركت الأهمية المعنوية لهذا الاستخدام . وقالوا بأن أداة التعريف لها قيمة التعميم في الزمان والمكان ، وقيمة الحمد . يقول الرازي : « الفائدة الثانية ، إنه تعالى لم يقل أحمد اللّه ولكن قال ( الحمد اللّه ) . وهذه العبارة الثانية أولى لوجوه . أحدها : أنه لو قال أحمد اللّه أفاد ذلك كون ذلك القائل قادرا على حمده ، أما لما قال ( الحمد اللّه ) فقد أفاد ذلك أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين ، وقبل شكر الشاكرين . فهؤلاء سواء حمدوا أم لم يحمدوا ، وسواء شكروا أم لم يشكروا ، فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم » « 1 » . إن أداة التعريف لها وظيفة التصنيف في التراكيب اللغوية التالية : الصراط المستقيم ، الذين أنعمت عليهم ( المنعم عليهم ) « 2 » ، المغضوب عليهم ، الضالّين . فهذه التراكيب هي عبارة عن مفاهيم ، أو أصناف أشخاص محدّدين بدقة من قبل المتكلّم « * » وقابلين للتحديد من قبل المخاطب عندما يصبح بدورة قائلا أو متكلما ( انظر بروتوول القراءة الطقسية أو الشعائرية ) . إنّ الصياغة المسماة في النحو العربي بالإضافة تتيح أيضا أن ، نلفت الانتباه إلى وجود علاقة وثيقة بين الوظيفة النحوية والقيمة المعنوية . نحن نعلم أنه يوجد تفاعل نحوي متبادل بين المحدّد والمحدّد ( مضاف / مضاف إليه ) . وفي تعبير رب العالمين ، كما في تعبير بسم اللّه ( أو ب - سم اللّه ) ، فإن هذا التفاعل المتبادل موجود على مستوى المعنى . فالمعنى الشائع لكلمة رب ( أو سيد ، كما نقول : سيد البيت ) قد أصبح خصوصيا أو مخصّصا عن طريق الطرف المحدّد : أي عالمين ( وهي كلمة تعني الكون بصفته حقيقة فضائية وزمانية « 3 » ) . وبالعكس ، فإن عالمين على الرغم من لانهائيتها موضوعة تحت تبعية رب .

--> ( 1 ) انظر تفسير الرازي ، مصدر مذكور سابقا ، ص 116 . ( 2 ) النسبة ليست إلّا عبارة عن صفة نحوية . انظر دراسة إميل بنقينيست : « الجملة النسبية » ، وهي منشورة في كتابه : مبادئ في علم الألسنيات العامة : de Elements : in ، ( ( relative Laphrase ) ) : E . Benveniste . ff 208 . p ، generale linguistique * المقصود بذلك أن كلمة « المغضوب عليهم » أو « الضالّين » تدلّ على أشخاص محدّدين بدقة في مكّة ، وكانوا معادين للرسالة الجديدة ولذلك دعوا بالمغضوب عليهم والضالّين . ولكن القرآن لا يحدد أسماءهم وإنما يترك الصياغة عامة شمولية تنطبق على أعداء هذا الدين في كل زمان ومكان . وهنا تكمن إحدى السمات الأساسية للخطاب القرآني . فهو يستخدم لغة عمومية أو تجريدية ، ولا ينزل إلى مستوى تسمية هؤلاء الناس بأسمائهم الحقيقة . ( 3 ) في ما يخصّ هذا الجمع « العالمين » ، أعتقد أنه من المفيد أن أورد هنا ملحوظة فيلولوجية كان صديقي جيرار تروبو قد تفضل وأرسلها إليّ . يقول تروبو : ( ( إن أصل كلمة عالم كما يقترحه الرازي مشتق من كلمة علم ( أي علامة أو وسم أو دمغة ) . وهذا الرأي بارع من وجهة نظر علم التأويل ، ولكنه غير مقبول من وجهة نظر علم الفيلولوجيا ( أو فقه اللغة ) . فنحن نعلم أن صيغة فاعل ، وجمعها فواعل ، ممثّلة في اللغة العربية بعدد محدود جدا من الكلمات . وهذا -