محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

125

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

أو مضمون المقال « 1 » ( أو عملية النطق ، وتحليل المنطوقة ) . عملية القول ( أو عملية النطق ) : إنّ علم الألسنيات المعاصر يميّز بين عملية النطق ، أو فعل إنتاج النصّ من قبل متكلّم ، وبين المنطوقة أو العبارة التي هي النص المنجز أو المتحقّق ، أي النتيجة اللفظية الكلّية لعملية النطق . وفائدة هذا التمييز هي أنها تتيح لنا أن نقيّم درجة تدخل الذات المتكلّمة أثناء عملية النطق وأنماط هذا التدخل . كما وأنها تتيح لنا أن نعود إلى المنطوقة في صياغتها الناجزة أو المكتملة من أجل دراسة إنتاجيتها ( أو مدى إنتاجيتها ) . تستخدم عملية القول ( أو النطق ) بعض العناصر اللّغوية التي ندعوها بصائغات الخطاب أو بمشكّلاته التي تصوغه على هيئة معيّنة « * » . وهكذا ندرس بشكل متتابع المحدّدات أو المعرّفات ( من أدوات تعريف وتنكير ، وصفات ، وضمائر ) ، ثم النظام الفعلي ، ثم النظام الاسمي ، ثم البني النحوية ، وأخيرا النظم والإيقاع ، إن لم نقل الأوزان والعروض . وفي ما يخصّ كل هذه الأشياء أو المستويات ، فإننا لا نهدف إلى كشف المعايير النحوية للّغة العربية ، بقدر ما نهدف إلى فهم خيارات المتكلّم أو الناطق . أقصد سبب اختياره لهذه الكلمة أو تلك دون غيرها ، وذلك ضمن الإمكانيات التي يتيحها نظام اللغة . وبالتالي ، فإن دراسة عملية القول أو النطق ما هي إلّا تهيئة وإعداد لفهم المعنى المقصود من قبل المتكلم . أقول ذلك ونحن نعرف أن المقصد الواحد لدى المتكلّم يولّد لدى السامعين والقرّاء تعدّدية في المقاصد والمعاني « 2 » . وكلّما حدّدنا بصرامة ودقة صائغات الخطاب ، ثم بشكل أكثر احتمالية وصدفوية المفردات المجرّدة ، كلما اقتربنا بالتالي من مقصد الناطق أو المتكلم . ولكن هذا العمل الهادف إلى مقاربة المعنى أو تحديده بدقة يظلّ مهمة مطروحة

--> ( 1 ) سوف نترك للقارئ المهمة التالية : أن يتحقق بذاته من درجة عدم تطابق مختلف ترجمات الفاتحة في كل اللغات مع النصّ الأصلي العربي . * صائغات الخطاب هي حروف اللغة ، وألفاظها ، وأفعالها ، وأسماؤها ، وبنيتها الصرفية والنحوية . كل هذه الأشياء تتدخل في تشكيل الخطاب أو صياغته على هذا النحو دون ذاك . فحروف الجرّ ، وأل التعريف ، والتنكير ، والصفات ، والضمائر . . . كلها استخدمت بطريقة معيّنة في القرآن من أجل التوصل إلى أفضل صياغة ممكنة لتوصيل المعنى إلى السامع أو القارئ والتأثير فيه بأقوى ما يكون . وهذه الصياغة هي ما يدعوه أركون بالنظم والإيقاع ، أو الأوزان والعروض . فالعبارات القرآنية تكون أحيانا متوترة ، متلاحقة كالشعر . ( 2 ) انظر دراستي : « العقلانية المركزية والحقيقة الدينية في الفكر الإسلامي » ، بحث منشور في كتاب : مقالات في الفكر الإسلامي : : in ، ( ( islamique pensee la dans religieuse verite et Logocentrisme ) ) : M . Arkoun . ff 185 . pp ، 1984 ، edition e 3 ، Larose et Maisonneuve ، Paris ، islamique pensee la sur Essais