محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
122
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
5 - كل ما يقوله هو الحقيقة الوحيدة ، وكلّ الحقيقة . 6 - يمكنني أن أحدّد ( أو أعرف ) هذه الحقيقة ، بل وينبغي عليّ أن أعرفها عن طريق الاستعانة بأقوال الجيل - الشاهد عليها : أقصد جيل المؤمنين الأوائل الذين تلقوا الوحي من فم النبي مباشرة ، والذين طبّقوه عمليا فيما بعد . ولذا ، فإن هذا الجيل يشكّل العصر التدشيني الأمثل ( أو ما يدعى في اللغة الإسلامية بالصدر الأول ) . 7 - إن موت النبي سجن جميع المؤمنين أو بالأحرى وضعهم داخل إطار الدائرة التأويلية . بمعنى أن كل واحد منهم أصبح منذ الآن فصاعدا في مواجهة نصّ يمثّل ( أو بالأحرى يجسّد ) الكلام المطلق « * » . وكل واحد منهم ينبغي « أن يؤمن لكي يفهم ، وأن يفهم لكي يؤمن » « 1 » . 8 - إن علم النحو ، وعلم اللغة التاريخي ( الفيلولوجيا ) ، وعلم البلاغة ، وعلم المنطق ، كلها تعلّمني تقنيات الوصول إلى المعنى وتقنيات إنتاج المعنى . وبالتالي ، فهي تتيح لنا أن نستخلص من النص - الذي يمثّل كلام اللّه - الحقيقة التي تضيء عقلي ، وإرادتي وأعمالي . ينبغي أن نعلم أن هذه المبادئ الثمانية قد مارست دورا موجّها يتحكّم بكل مجالات الفكر العربي - الإسلامي حتى مجيء عهد الإيديولوجيا الاشتراكية - الماركسية أو المتمركسة . واليوم تحصل قطيعة فعلية مع هذه المبادئ ، ولكن غير مرفقة بقطيعة نظرية « * * » . بمعنى أن هذه القطيعة تحصل خارج إطار أي دراسة نقدية ونظرية لهذه المبادئ . ولذا ، فإن المبادئ التي ستتحكّم بإعادة قراءتنا تهدف إلى أن تتحمل مسؤولية القطيعة على مستوى الفهم . أقصد مسؤوليات القطيعات ، والإنكارات ، والتناقضات
--> * النصّ القرآني يمثّل الحقيقة المطلقة بالنسبة للمسلمين مثلما يمثّل النصّ الإنجيلي أو التوراتي الحقيقة المطلقة بالنسبة للمسيحيين أو اليهود . والدائرة التأويلية هي المصطلح العربي الذي اخترناه لترجمة المصطلح الفرنسي heremeneutique cercle . le والمقصود به التموضع داخل المعادلة التالية : ينبغي عليك أن تؤمن أولا لكي تستطيع أن تفهم النصّ ، وأن تفهم لكي تؤمن بالنصّ . وبالتالي ، فالإيمان والفهم مترابطان مع بعضهما البعض داخل دائرة مغلقة هي : الدائرة التأويلية . ( 1 ) بواسطة هذه العبارة يحدّد بول ريكور P . Ricoeur الدائرة التأويلية . * * ينبغي أن نعلم أن أركون كتب بحثه في أوج سيطرة الإيديولوجيا الماركسية أو المتمركسة على الجزائر ومصر والمشرق العربي عموما . ولم تكن الإيديولوجيا الأصولية ( أو السلفية ) قد حلّت محلها بعد وأخذت تشغل جميع الناس . في الواقع ، إن الماركسية كما فهمها المثقفون العرب لم تكن قطيعة مع الإيمان التقليدي بقدر ما كانت تبنّيا للماركسية على طريقة الإيمان التقليدي . وبالتالي فلم يظهر حتى الآن في اللغة العربية أي فكر قادر على إحداث القطيعة مع المسلمات الإيمانية التقليدية ، اللهمّ إلا فكر محمد أركون ذاته الذي أترجمه الآن إلى اللغة العربية . لا يوجد أي فكر حديث عن التراث الإسلامي في اللغة العربية . وبالتالي ، فهناك قطيعة فعلية أو يومية مع هذه المسلمات ولكن لا توجد قطيعة نظرية .