محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

119

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

والتي ثبّتت نهائيا بعد القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي . وحتى لو كان هذا العمل من صنع مؤمن واحد فقط ، فإنّه يعبّر عن مسار المعنى داخل الوعي الجماعي ، ويدشّن الطاقة الإبداعية للفاتحة التي أصبحت منذ الآن فصاعدا مرتبطة بالنصّ الكلّي الشمولي إلى درجة أنه نتج عن ذلك حالة بنيوية أو انبنائية جديدة . إن آليّة اشتغال هذه الحالة الانبنائية الجديدة هو ما ندعوه بالفاتحة مقروءة من خلال ارتباطها الوثيق بالنّص الكلّي أو الشمولي . وآليّة الاشتغال هذه تولّد معاني أو دلالات يصعب أن نعرف إلى أي درجة تعبّر بأمانة عن المقاصد الأولى المتضمّنة في الحالة الانبنائية الأصلية أو تعدّل منها . نقصد بالحالة الانبنائية الأصلية وضع الفاتحة في سياق السور المرقمة من ( 1 ) إلى ( 46 ) ، ثم في حالة خطاب المتكلّم الأول ( أو الناطق الأول ) . وهذه المسألة التي تتطلّب أولا جوابا ألسنيا ، تحمل في طياتها مسألة أخرى تخصّ منشأ الوعي الديني أو انبثاقه انطلاقا من مدونة نصّية في طور التشكّل ( أي القرآن من عام 610 إلى عام 632 م ) ، ثم في طور الانغلاق . وبالتالي ، ينبغي علينا أن نميّز بين منطوقة أو عبارة أولى تخص الجمل التي تلفّظ بها النبي حقيقة ضمن ظروف لا يمكن أن نعرفها أبدا ، وبين منطوقة ثانية تخصّ النصّ المعطى لنا أو الذي وصل إلينا كتابة ، والذي ينبغي أن نقرأه أو أن نتلوه تلاوة . ونقصد به نصّ الفاتحة الموضوع في رأس المدونة الكلّية ( أي المصحف ) . إن مفهوم الفاتحة يحيلنا أساسا إلى جميع القيم الشعائرية ، واللاهوتية ، واللغوية ، والسياقية . وهي قيم مدركة أو مسقطة على المنطوقة الثانية عن طريق تراث تفسيري طويل غير منفصل عن ممارسة دينية مركزية « * » . الواقع أنه ينبغي أن تتلى الفاتحة في بداية كل ركعة من ركعات الصلاة الإسلامية : أي سبع عشرة مرّة في اليوم على الأقل . وهذه الحالة تعقّد مهام قراءتنا . فبدءا من اللحظة التي تتخذ فيها المنطوقة الأولى وظائف المنطوقة الثانية ومضامينها المتعددة ، فإن هناك ثلاثة بروتوكولات تفرض نفسها علينا :

--> * نلاحظ أن أركون يستخدم مصطلحات ألسنية محضة للتحدث عن القرآن . فهو يقول المنطوقة أو العبارة اللغوية بدلا من الآية القرآنية ، ويقول المدوّنة النصية بدلا من القرآن . . إلخ . وسبب ذلك هو أنه يريد تحييد الشحنات اللاهوتية التي سرعان ما تستحوذ على وعينا عندما نتحدث عن القرآن . فالقداسة اللاهوتية أو الهيبة اللاهوتية العظمى التي تحيط بالقرآن منذ قرون تمنعنا من أن نراه كما هو : أي كنص لغوي مؤلّف من كلمات ، وحروف ، وتركيبات لغوية ونحوية وبلاغية . . . . بمعنى آخر ، إن المادية اللغوية للقرآن اختفت تماما أو غابت عن أنظارنا بسبب الهيبة العظيمة التي تحيط به . وميزة القراءة الألسنية هي أنها تحيّد الهيبة ولو للحظة من أجل فهم التركيبة النصية أو اللغوية للقرآن . وتزداد هذه الهيبة في ما يخص سورة الفاتحة لأنها مستخدمة يوميا في الشعائر والطقوس ، أي في الصلاة أساسا . وبالتالي ، فإن نزع الهيبة عنها ورؤيتها في مادّيتها اللغوية أمر بالغ الصعوبة .