محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
120
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
هناك أولا بروتوكول القراءة الطقسية أو الشعائرية . بالطبع فإن هذه القراءة هي وحدها الصالحة أو الصحيحة من وجهة نظر الوعي الإسلامي . فالمسلم إذ يكرر الكلمات المقدسة للفاتحة ، يعيد تحيين أو تجسيد اللحظة التدشينية التي تلفّظ أثناءها النبي بكلمات الفاتحة لأول مرة . وهذا يعني أنه يلتقي من جديد بالحالة العامة للخطاب الخاصّ بالمنطوقة الأولى . إنه يلتقي بالمواقف الشعائرية ، والتواصل الروحي مع جماعة المؤمنين الحاضرين والغائبين ، وبالالتزام الشخصي لكل مؤمن بالميثاق الذي يربطه باللّه . كما ويستبطن كل التعاليم الموحى بها والمكثّفة في الآيات السبع لسورة الفاتحة . وهي آيات تشفع له عند اللّه يوم القيامة ، وتنقذ روحه ؛ آيات منفتحة على الدين كله « 1 » . ولا يعود هناك أي معنى للمسافة التاريخية الحقيقة التي تفصل شخص بربري يعيش في جبال الأطلس ، أو شخص باكستاني ، أو يوغسلافي . . . إلخ ، عن النبي . ولهذا السبب ، ينبغي أن نحدد بدقة المادة اللغوية ( أو الدعامة اللغوية ) لهذا التواصل الحميمي الذي يتحدى المسافات الجغرافية ، أو قل يتحدى المكان ، والزمان ، والعقلانية الخاصة بالخطاب « العلمي » . أما البروتوكول الثاني للقراءة فيمكن وصفه بالبروتوكول التفسيري . وهو الذي اتبعه المؤمنون منذ أن كانوا قد تعرّفوا على المنطوقة الأولى ( أو المنطوقة رقم ( 1 ) ) . وهكذا شكّلوا أدبيات تفسيرية غريزة على مدار القرون . وأحد النصوص أو التفاسير الأكثر غنى على هذا الصعيد هو تفسير فخر الدين الرازي ( ت 606 ه / 1209 م ) . فغناه عائد إلى أنه تلقى واستفاد من جهد البلورة العقائدية للقرون الستة السابقة له . إنّ القراءة التفسيرية تتميز باعتماد المنطوقة الثانية بصفتها نصّا ذا وصاية ، مخلوطا بالمنطوقة الأولى ومفسّرا بمساعدة المبادئ التي تمارس عملها بشكل عفوي في البروتوكول الشعائري . وقد ظلت هذه المبادئ مقدسة ولا يمكن مسّها حتى يومنا هذا . فهي تحصر كل إعادة قراءة للفاتحة ضمن حدود لم يستطع حتى تدخل الفلسفة العربية - الإسلامية في العصر الكلاسيكي أن يتجاوزها . إنّ دراسة النصوص العديدة الثانية التي أنتجتها القراءة التفسيرية ينبغي أن تخضع لتحرّ طويل ، صعب ، لا بدّ منه . ونأسف لأننا لا نمتلك في اللحظة الراهنة للأمور أية دراسة أكاديمية دقيقة عن واحد على الأقل من التفاسير الكلاسيكية . إنّ الأمر يتعلق هنا بالشروع في حفر أركيولوجي كامل عن المعنى . ويفهمنا القارئ إذا ما قلنا له بأننا غير قادرين على فعل ذلك هنا . ولكننا نأمل على الأقل بأن نقدّم في الصفحات التالية نموذجا موحيا من أجل القيام بقراءة مثمرة لجميع هذه النصوص الثانية . أما البروتوكول الثالث والأخير للقراءة فهو ذلك الذي سنحاول اتباعه . وبما أننا لا
--> ( 1 ) انظر فيما سبق ، ص 104 وما تلاها من مبحث « موقف المشركين من ظاهرة الوحي » في هذا الكتاب .