محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
118
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المستويات الاحتمالية ببعضها البعض . ثم تتآكل بفعل هذا الاصطدام ، محرّرة بالتدريج من كتلة الخطاب الأساسية ما يمكن أن ندعوه : أجزائه البلّورية الشفافة . إنّ الأعمال ( أو المؤلّفات ) الفردية هي جميعا أساطير محتملة ، أو أساطير كامنة بالقوة . ولكن تبنّيها على الهيئة الجماعية هو وحده ما يجسد ، إذا ما لزم الأمر ، أسطوريتها » « 1 » . الفاتحة : منشأ المفهوم وبروتوكول القراءة : لا نملك هنا إلا أن نطرح بعض الأسئلة التي لا نستطيع أبدا الإجابة عنها . فالشيء المثالي الذي نحلم به والممتنع عن التحقيق هو أن نستطيع وصف الوضعية العامة للخطاب بشكل شمولي كامل ، أقصد : وصف الظروف التي لفظت فيها سورة الفاتحة بشكل شفهي لأول مرة . كل ما نستطيع قوله هو أن هذا النصّ القصير الموضوع في رأس المدونة القرآنية - ومن هنا اسم الفاتحة الذي خلع عليها فيما بعد - يحتلّ في الترتيب الكرونولوجي الرقم 46 . ولذا يمكن القول بأنه من المفيد ، على الأقل تاريخيا ، أن نقرأ الفاتحة من خلال السياق الممتد من السورة رقم ( 1 ) إلى السورة رقم ( 46 ) . ولكن بشرط أن يكون هذا الترتيب التاريخي لسور القرآن صحيحا بشكل قاطع ، ثم على الأخص ، بشرط ألا تكون السورة غائبة عن مدونة ابن مسعود ومدونة ابن عباس ( أو مصحف ابن مسعود ، ومصحف ابن عباس ) « 2 » . ولكن هذه الحالة التي تعذّب العالم الفيلولوجي وتؤرّقه ، لا تزعج إطلاقا عالم الألسنيات . فالمعطى المهمّ بالنسبة لهذا الأخير هو وضع الفاتحة في رأس المدونة « المعتمدة على هيئة الطريقة الجماعية » كما يقول ليقي - ستروس . والمقصود بذلك ، بالمعنى أو المصطلح اللاهوتي ، تلك النسخة الرسمية التي شكّلت في ظل الخليفة عثمان ،
--> ( 1 ) انظر كتاب كلود ليقي - ستروس : الإنسان العاري : 1971 ، Plon ، Paris ، nu Lhomme : Cl . Levi - Strauss . 560 . p ( 2 ) من المفيد أن نلاحظ أن هذا الغياب يطرح مشكلة أساسية ، بل وحاسمة . وكان الرازي قد قدّم عنها هذه الصياغة الحادّة : « جاء في كتب القدماء أن ابن مسعود أنكر أن الفاتحة تشكل جزءا من القرآن . وأنكر أيضا أن المعوّذتين تشكلان جزءا منه . اعلم أنه توجد هنا صعوبة كبيرة . فإذا ما قلنا بأن التواتر كان قد حدث في زمن الصحابة وفيه أن القرآن يشتمل على الفاتحة ، فإن ذلك يعني أن ابن مسعود كان على علم بذلك . وبالتالي ، فإن إنكاره يعني الكفر أو النقص العقلي . وإذا ما قلنا بأن التواتر بالمعنى المشار إليه لم يحصل في ذلك الزمن ، فإن ذلك يرغمنا على القول بأن نقل القرآن لم يحصل عن طريق التواتر في البداية ، وبالتالي فإنه يكفّ عن كونه برهانا موثوقا . وهكذا نميل إلى الاعتقاد بأن نقل هذا الموقف عن طريق ابن مسعود كاذب وخاطئ . وعلى هذا النحو يمكننا حلّ هذا الإشكال أو تجاوزه » . ( فخر الدين الرازي ، تفسير مفاتيح الغيب ، الجزء الأول ، ص 15 ) . إن هذا المقطع يدل دلالة بالغة على استراتيجية الرفض المتبعة من قبل الفكر الدوغمائي من أجل إفشال الفكر النقدي .