محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

103

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

جزئي أو كلّي ، وينبغي فرض صحّته على الناس فورا . وهكذا تتأكد صحّة تلك الملاحظة التي نصّ عليها العالم إميل بنقينيست « * * » : « يمكننا الاعتقاد بأن الزمنية ( أو الزمانية ) هي إطار غريزي أو فطري للفكر . في الواقع ، إنها تحصل داخل عملية النطق أو الكلام وبواسطتها . وعن النطق تتشكّل مقولة الحاضر ، وعن مقولة الحاضر تتولّد مقولة الزمن » « 1 » . إنّ الوظائف النحوية - التركيبية التي يستخدمها الناطق - المتكلّم للتأثير على المتلقي موجودة كلها في القرآن . نقصد بهذه الوظائف هنا الأساليب اللغوية من نوع : التساؤل ، التعجّب ، التبليغ أو الإعلام ، الإثبات أو الجزم . وكلها أساليب مستخدمة في القرآن . في الآيات التي نحلّلها هنا نلاحظ أولا وبشكل خاص مدى الأهمية التي يتخذها أسلوب الإثبات أو الجزم القاطع . فالآيات تستخدم الإثبات والنفي المدعومين أم لا من قبل يمين القسم . كما ونلاحظ أن هذه الآيات تستخدم بشكل متكرر الجملة الاسمية . وعن طريق هذه الأساليب اللغوية نلاحظ أن الناطق يريد ترسيخ يقينيات معيّنة في ذهن السامع أو في وعيه . إنه يوجّه بطريقة واضحة ومدروسة كل الاستخدام المعرفي للّغة في الوجهة التي يريدها . انظر مثلا كيفية استخدامه للكلمات التالية : الكفّار ، الجاحدون ، الظالمون ، العدو ، المجرمون . فهؤلاء جميعا يشكّلون فئة احتقرت وحطّ من قيمتها عن طريق الأقاويل المفرطة ، أو الحمقاء المجنونة ، أو المتغطرسة والمتكبرة التي عزيت إليها . على العكس من ذلك ، فإن الآيات المذكورة تقدّم المؤمنين على أساس أنهم أولئك الذين يتّبعون النبي . نمط معين من أنماط الفكر : إنّ هذا الاستخدام النمطي للغة لا يولّد آثار المعنى المرغوبة من قبل الناطق إلّا إذا قدّم ثمة نظام فكري مناسب . ولا نقصد بالنظام الفكري هنا فقط الكفاءة اللغوية بالمعنى الذي يعطيه علم القواعد التوليدية لهذا المصطلح ، أي المقدرة المستبطنة من قبل الذات والتي تولّد مثل هذه الكفاءات داخل اللغة . وإنما نقصد به - أي بالنظام الفكري - مجمل التصوّرات ، والعقائد الإيمانية ، والمسلّمات التي تتطلّب هيكليّتها استخداما متفرّدا للفكر . وهذا ما ندعوه ، إذا ما استعرنا تعبير ميشيل فوكو ، بالإبستمية ، أي النظام الفكري الذي يهيمن على فترة بأسرها . في الواقع إن مصطلح الإبستمية episteme يطرح مشكلة هائلة ، ذلك لأنه يضع على محك الشك المسلّمة العظمى التي تتحكّم بكل فكر لاهوتي ناشئ ومتطوّر داخل خط الاعتقاد بالكتاب السماوي ( أو كتاب الوحي ) . لما ذا أقول ذلك ؟ لأن كلام اللّه في

--> * * إميل بنقينيست Benveniste Emil الذي يستشهد به أركون هنا هو أحد كبار علماء الألسنيات في فرنسا . ولد في مدينة حلب بسوريا عام 1902 ، وتوفي في باريس عام 1976 ، وألّف عدة كتب مهمة . ( 1 ) إميل بنقينيست مصدر مذكور سابقا ، ص 83 .